عرب وعالم

زلزال في مانهاتن.. ترامب في قفص الاتهام: هل تنهي المحاكم أحلام «الرجل المتمرد»؟

الرئيس الأمريكي السابق يواجه تهمة تزوير سجلات مالية في قضية دفع أموال لإسكات

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

لم يكن دخول دونالد ترامب إلى قاعة محكمة مانهاتن مجرد إجراء قانوني روتيني أو جلسة استماع عادية؛ بل كان أشبه بزلزال ضرب صميم النظام السياسي الأمريكي. لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، نرى رئيساً سابقاً يتخلى عن «برستيج» البيت الأبيض ليقف أمام قاضٍ، ليس كزعيم للعالم الحر، بل كمتهم جنائي عليه الالتزام بالصمت وسماع لائحة اتهاماته. الحقيقة أن المشهد تجاوز حدود الخبر العاجل، فالمسألة هنا تتعلق بكسر هيبة «الرئاسة» التي لم يجرؤ أحد على المساس بها لعقود، وبصراحة، فإن واشنطن دخلت نفقاً مظلماً لم تعهده من قبل.

ترامب، وكعادته في تحويل الأزمات إلى منصات خطابية، لم يضيع ثانية واحدة. سارع الرجل إلى إعلانها حرباً شعواء، واصفاً ما يحدث بأنه «اضطهاد سياسي» و«عملية صيد ساحرات» تهدف بالأساس إلى حرمان الناخبين من اختياره في 2024. هذه النبرة الهجومية ليست مجرد دفاع عن النفس، بل هي «الوقود» الذي يغذي به قاعدته الشعبية؛ فبمجرد خروجه من القاعة، بدأت حملته في تحويل المحاكمة إلى أداة لجمع التبرعات بملايين الدولارات. لكن، وبعيداً عن ضجيج منصات التواصل، تظل الحقيقة داخل القاعة مختلفة تماماً؛ فالقاضي خوان ميرشان لا يعترف بالتغريدات الغاضبة، بل بالأدلة الجنائية الصارمة التي قد تضعه خلف القضبان.

القضية في جوهرها تبدو كأنها مستوحاة من أفلام الإثارة؛ دفع مبالغ مالية للممثلة ستورمي دانيلز لشراء صمتها قبيل انتخابات 2016. لكن المأزق القانوني ليس في «الدفع» بحد ذاته، بل في «التلاعب المحاسبي». المدعي العام في مانهاتن، ألفين براغ، يراهن بكل ثقله على إثبات أن تسجيل هذه الأموال كـ «مصاريف قانونية» في سجلات شركة ترامب لم يكن خطأً عفوياً، بل تزوير متعمد لإخفاء جريمة أخرى تتعلق بتمويل الحملات الانتخابية. وهنا تكمن «العقدة»؛ فإذا نجح الادعاء في ربط التزوير بنيّة التأثير على الانتخابات، ستتحول التهمة من مجرد جنحة بسيطة إلى جناية كاملة الأركان.

230404123050 19 trump arraignment 0404 hp video

وفي قلب هذه المعمعة، يبرز اسم مايكل كوهين، «رجل المهام القذرة» السابق لترامب، والذي تحول الآن إلى الشاهد الملك ضده. كوهين، الذي انقلب على رئيسه السابق بعد سنوات من الولاء الأعمى، هو من أدار عملية الدفع فعلياً. لكن دعونا نكون واقعيين، شهادة كوهين هي «سلاح ذو حدين» بامتياز؛ فالرجل له تاريخ حافل بالإدلاء بشهادات كاذبة سابقاً، وهو ما سيستغله فريق دفاع ترامب بكل شراسة للتشكيك في مصداقيته أمام هيئة المحلفين. هل سيصدق المحلفون رجلاً أُدين سابقاً بالكذب؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد مصير القضية.

هذه المحاكمة، التي تضم أكثر من ثلاثين بنداً، ليست سوى رأس جبل الجليد. ترامب يواجه حصاراً قانونياً من جبهات متعددة: من قضية التدخل في نتائج انتخابات جورجيا، إلى أزمة الوثائق السرية في مارالاغو، وصولاً إلى التحقيقات في أحداث الكابيتول. مانهاتن اليوم تحولت إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، والرسالة واضحة للجميع: لا أحد فوق القانون، حتى لو كان يمتلك طائرة خاصة وعقارات تحمل اسمه في كل ركن. ربما يظن البعض أن هذه هي النهاية، لكن الحقيقة أنها مجرد «جولة أولى» في صراع طويل ومرير.

وبالنظر إلى المشهد الانتخابي، فإن هذه المحاكمة ستلقي بظلال ثقيلة على حملة 2024. فبينما يرى أنصاره أن ما يحدث هو «مؤامرة من الدولة العميقة»، يرى قطاع واسع من الناخبين المستقلين أن خوض معركة رئاسية من داخل قاعة المحكمة هو أمر يثير الريبة والشك. أمريكا الآن في منطقة مجهولة تماماً، حيث يتشابك مصير «الرجل المتمرد» مع نصوص القانون في مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات. وفي النهاية، قد تكون هذه المحاكمة هي الاختبار الحقيقي لصلابة الديمقراطية الأمريكية في مواجهة «الشخصنة» السياسية التي لم تشهدها البلاد منذ قرون.

مقالات ذات صلة