فن

رماد في حارة ‘استوديو مصر’: حريق يلتهم تاريخاً من الفن وذاكرة السينما

بينما تنجو الأرواح، يتصاعد دخان الأسئلة حول مصير الديكور الأشهر الذي احتضن حكايات مصر على الشاشة الفضية، تاركاً خلفه إرثاً من الصمت.

في قلب منطقة المريوطية، حيث تنبض ذاكرة السينما المصرية، تصاعدت ألسنة اللهب. الدخان يملأ السماء. صفارات الإنذار تدوي في ليل الجمعة الهادئ. لم يكن هذا مشهداً سينمائياً، بل حقيقة مؤلمة تتكشف فصولها داخل أسوار “استوديو مصر”، الصرح الذي شهد ولادة أعظم الأعمال الفنية.

هرعت خمس سيارات إطفاء إلى المكان، تكافح الزمن والنار. كان الهدف واضحاً: محاصرة الحريق ومنع امتداده إلى بقية أجزاء هذا الكيان التاريخي. وسرعان ما جاء الخبر الأهم ليطمئن القلوب القلقة، فقد أكد محافظ الجيزة عادل النجار أن الحادث مرّ دون تسجيل أي خسائر في الأرواح. “سلامة البنية التحتية والمباني المحيطة لم تتأثر”، كلمات حملت معها تنهيدة ارتياح، لكنها لم تخفِ حجم الخسارة الفنية.

### حارةٌ من رماد

لم تكن النيران عشوائية في طريقها، بل اختارت أن تلتهم أيقونة بصرية طالما عاشت في وجدان المصريين. لقد التهمت ديكور “الحارة” بالكامل. تلك المساحة المفتوحة التي لم تكن مجرد جدران خشبية وواجهات مصممة بعناية، بل كانت عالماً كاملاً، وشخصية رئيسية في مئات الأفلام والمسلسلات التي شكلت ذاكرتنا الجمعية. كانت هذه الحارة تستعد لارتداء ثوب جديد، لتصبح مسرحاً لأحداث مسلسل “الكينج” المقرر عرضه في موسم رمضان 2026، لكن القدر كان له رأي آخر.

أكد وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو أن الأضرار انحصرت في هذه المنطقة، مشدداً على سلامة الاستوديو ومحتوياته التاريخية. وفيما بدأت النيابة العامة تحقيقاتها للوقوف على أسباب الحريق، ترك المشهد أثراً عميقاً. عز الدين غنيم، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة للسينما، لخص الموقف في تصريحاته لـ”الشرق”: “الحريق اندلع قبل التصوير وحضور طاقم العمل”. جملة قصيرة، لكنها تحمل في طياتها سيناريو كارثي تم تجنبه بأعجوبة. مشهدٌ صامت الآن، بعد أن كان يضج بالحياة.

### صدى من زمن الفن الجميل

لكي نفهم حجم الخسارة، يجب أن نعود بالزمن إلى السابع من مارس عام 1935. في ذلك اليوم، لم يفتتح الاقتصادي طلعت حرب مجرد استوديو، بل أطلق حلماً وطنياً اسمه “شركة مصر للتمثيل والسينما”. كان “استوديو مصر” هو القلب النابض لهذا الحلم، مشروعاً ثقافياً يهدف إلى صناعة سينما بهوية مصرية خالصة، تنافس الإنتاج العالمي.

لم يكتفِ الاستوديو بالإنتاج، بل صنع الكوادر. أرسل البعثات الفنية إلى أوروبا ليتعلم المصريون فنون الإخراج والتصوير والديكور، وعادوا ليؤسسوا مدرسة فنية فريدة. من نشرات الأخبار الأسبوعية التي كانت تُعرض قبل الأفلام، إلى الأفلام القصيرة التي تروج للمنتجات الوطنية، كان الاستوديو جزءاً من نسيج الدولة الحديثة. وكان أول إنتاجاته الأسطورية فيلم “وداد” عام 1935، حيث صدح صوت كوكب الشرق أم كلثوم لأول مرة من هذا الصرح، معلناً بداية عصر ذهبي.

احتضنت مساحته الشاسعة بلاتوهات التصوير، ورش الديكور، ومخازن الملابس التي تحوي كنوزاً من الأزياء التاريخية. وكان من بين أهم معالمه تلك “الحارة المصرية” التي احترقت، والتي صُممت لتكون نسخة مثالية من حارات القاهرة القديمة، وشهدت بين أزقتها قصص حب وخيانة ونضال، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية السينما المصرية. لمعرفة المزيد عن تاريخ هذا الصرح العظيم، يمكن الاطلاع على [توثيق تاريخي للاستوديو](https://www.bibalex.org/memoryofmodernegypt/ar/details/Events_Details?field=Id&value=143).

الآن، وبينما تخبو النيران وتتحول الجدران إلى رماد، تبدأ رحلة التحقيقات والأسئلة. قد يُعاد بناء الديكور، لكن هل يمكن استعادة الروح التي سكنته عبر عقود؟ يبقى الأمل في أن ينهض “استوديو مصر” من جديد، كما فعلت السينما المصرية دائماً، ليواصل سرد حكاياتنا على الشاشة الكبيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *