
تستكمل محكمة جنايات القاهرة، اليوم الثلاثاء، فصول قضية هزت أركان القطاع الصحي، المعروفة إعلاميًا بـ “رشوة الصحة”. تنظر المحكمة ثاني جلسات محاكمة تسعة متهمين، بينهم مسؤولون بارزون في الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية بوزارة الصحة، في قضية تثير تساؤلات عميقة حول مدى صرامة الرقابة على الموارد الحيوية للبلاد. إنه مشهد يتكرر، للأسف، في قضايا الفساد التي تطال قطاعات حساسة.
اتهامات خطيرة
تتمحور الاتهامات حول قيام المتهمين بصرف أدوات ومستلزمات طبية حيوية من المخزون الاستراتيجي للوزارة، وتحويلها إلى شركات خاصة. بلغت قيمة هذه المستلزمات نحو 65 مليون جنيه مصري، وهو رقم ليس بالهين، خاصةً عندما يتعلق الأمر بصحة المواطنين. هذا التصرف، بحسب أمر الإحالة، تم بالمخالفة الصريحة للقوانين المنظمة لعمليات الصرف والتوريد، ما يثير الشكوك حول وجود شبكة منظمة لاستغلال النفوذ.
مقابل مادي
كشف أمر الإحالة تفاصيل أكثر إثارة للقلق، مشيرًا إلى أن المتهمين تلقوا مبالغ مالية كـ رشوة من أصحاب شركات التوريدات الطبية. هذه المبالغ كانت الثمن لتسهيل عملية صرف المستلزمات الطبية من المخزون المركزي الاستراتيجي لوزارة الصحة، في تجاوز واضح للإجراءات القانونية. يُرجّح مراقبون أن مثل هذه الممارسات لا تحدث بمعزل عن ضعف الرقابة الداخلية ووجود ثغرات في نظام المشتريات الحكومية، مما يفتح الباب أمام استغلال البعض لمناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الصالح العام.
استغلال الحاجة
وأفادت التحقيقات بأن المستلزمات المستولى عليها كانت مخصصة لـ الغسيل الكلوي، وهي من أشد الاحتياجات الطبية حساسية وحيوية للمرضى. ادعى المتهمون أن صرف هذه المستلزمات كان لصالح الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، لكن التحقيقات أثبتت عدم وجود أية قرارات رسمية تبرر هذا الصرف. هذا يكشف عن استغلال بشع لحاجة المرضى، ويضع علامات استفهام حول كيفية حماية المخزون الاستراتيجي من مثل هذه التجاوزات التي قد تعرض حياة الكثيرين للخطر.
تداعيات أوسع
تتجاوز تداعيات هذه القضية مجرد الأرقام المالية، لتطال ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، لا سيما القطاع الصحي الذي يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا. بحسب محللين اقتصاديين، فإن الفساد في قطاع المستلزمات الطبية لا يؤثر فقط على جودة الرعاية الصحية وتوافرها، بل يرفع أيضًا من تكلفة الخدمات الطبية بشكل غير مباشر، ويخلق سوقًا سوداء تستفيد منها قلة على حساب الأغلبية. إنها حلقة مفرغة تضر بالاقتصاد الوطني وتعيق جهود التنمية.
وفي الختام، تبقى قضية رشوة الصحة بمثابة جرس إنذار يدعو إلى تعزيز آليات الرقابة والشفافية داخل المؤسسات الحكومية، وخاصة تلك التي تتعامل مع حياة المواطنين وصحتهم. إن محاكمة المتورطين فيها، مهما علا شأنهم، تبعث برسالة واضحة بأن لا أحد فوق القانون، وأن حماية المال العام وصحة الأفراد هي مسؤولية لا تقبل المساومة. يبقى الأمل معقودًا على أن تسفر هذه المحاكمات عن ردع حقيقي، يعيد الثقة ويضمن عدم تكرار مثل هذه الممارسات المؤسفة.









