فن

رحيل زياد الرحباني.. نجمٌ خفت بريقه لكن صداه باقٍ في أرجاء الفن

كتب: أحمد المصري

في نبأٍ أحزن قلوب محبي الموسيقى والفن، غاب عنا يوم السبت الفنان اللبناني الكبير زياد الرحباني عن عمر ناهز 69 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فنياً ثرياً سيظل محفوراً في ذاكرة الأجيال.

زياد الرحباني: بين النغم والكلمة

ولد زياد الرحباني عام 1956 في أنطلياس قرب بيروت، وهو نجل السيدة فيروز، أيقونة الغناء العربي، والملحن الكبير عاصي الرحباني، أحد أعمدة الأخوين رحباني. منذ نعومة أظفاره، بزغت موهبة زياد الاستثنائية، حيث ألف أولى مقطوعاته الموسيقية في سن السابعة عشرة. نشأ في بيئة فنية خصبة، غارقاً في عوالم الموسيقى والمسرح، ما أسهم في تشكيل رؤيته الفنية الفريدة.

تمردٌ على المألوف

في حين ساهم والداه في بناء عصر ذهبي للأغنية اللبنانية، اتخذ زياد مساراً مختلفاً، تميز بنقدٍ لاذع وسخرية جريئة، من خلال موسيقى جازية عكست واقع لبنان بكل تناقضاته. قال الرحباني ذات مرة: «أُعجب بموسيقى عمالقة مثل تشارلي باركر وستان جيتز، لكن موسيقاي تبقى لبنانية الهوية، تحمل أسلوب تعبيرٍ مُغاير».

انعكاس الواقع اللبناني في موسيقاه

زياد الرحباني
الموسيقار اللبناني زياد الرحباني

عكست موسيقى زياد الرحباني الهوية اللبنانية المركبة، تلك البوتقة التي جمعت ثقافات متعددة قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. كما جسدت أعماله آلام الصراع الطائفي، ومرارة الاحتلال الإسرائيلي عام 1982.

في عام 1974، قدم مسرحيته الأولى «نزل السرور» وهو في السابعة عشرة من عمره، مجسداً مجتمعاً يعاني من التفاوت الطبقي والقمع. تدور أحداث المسرحية حول مجموعة من العمال يُطردون من مطعم بعد مطالباتهم بحقوقهم، كاشفةً بذلك عن فكرة الرحباني الجوهرية: المجتمع اللبناني مُمزقٌ ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب السلطة المتجذرة.

صوت المهمشين

عززت أعمال زياد اللاحقة، مثل مسرحية «بنسبه لبكرة شو؟»، صورته كصوتٍ للمهمشين. في هذه المسرحية، يجسد الرحباني دور عازف بيانو مُنهك في حانة ببيروت ما بعد الحرب، ينجرف في دوامة من الأحلام المحطمة والفساد. يتضمن العمل بعضاً من أكثر موسيقى الرحباني إيلاماً، وتعليقاته اللاذعة، ومنها عبارته الشهيرة: «يقولون أن الغد سيكون أفضل، ولكن ماذا عن اليوم؟».

إبداعٌ موسيقي متفرد

لم يكن زياد الرحباني مجرد كاتب مسرحي، بل كان ملحناً ذا رؤية موسيقية واسعة، جمع بين الألحان العربية التقليدية وتأثيرات الجاز والفانك والموسيقى الكلاسيكية، ليخلق توليفة موسيقية فريدة. اتسمت عروضه الحية بطابعٍ خاص، سواءً عزفه على البيانو في نوادي الحمرا الصاخبة، أو إنتاجاته الضخمة.

زياد الرحباني
زياد الرحباني

أضفت تعاوناته مع فيروز، خاصةً خلال السبعينيات والثمانينيات، بعداً سياسياً على مسيرتها الفنية. عكست أغاني مثل «افتتاحية ٨٣» و«بلا ولا شي» و«كيفك إنت» تأملات زياد العميقة.

إرثٌ باقٍ

على الرغم من تراجع ظهوره العلني في السنوات الأخيرة، إلا أن تأثير زياد الرحباني ظل حاضراً. أعادت الأجيال الشابة اكتشاف أعماله على الإنترنت، واستمعت إلى موسيقاه في حركات الاحتجاج. بقي زياد يتأمل واقع لبنان السياسي، مُعبراً عن خيبة أمله من الركود وتدهور الحياة العامة. رحل زياد الرحباني جسداً، لكن إرثه الفني سيظل خالداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *