خطت مهمة “أرتيميس 2” خطوة مهمة وجديدة في عدها التنازلي نحو الفضاء، بإعلان دخول رواد الفضاء الأربعة الذين سيطوفون حول القمر مرحلة الحجر الصحي الرسمي. هذه الخطوة تمثل بداية المرحلة النهائية من الاستعدادات لأول رحلة مأهولة تتجاوز مدار الأرض منذ أكثر من نصف قرن. فمنذ ديسمبر 1972، وتحديدًا مع مهمة “أبولو 17″، لم يطأ الإنسان سطح القمر، والآن تستعد وكالة “ناسا” لإعادة البشر إلى محيط القمر، في مهمة تعتبر حجر الزاوية في برنامج “أرتيميس” الطموح.
تعد “أرتيميس 2” أول مهمة مأهولة ضمن برنامج “ناسا” للعودة إلى القمر، وستكون بمثابة اختبار حاسم لأنظمة صاروخ SLS (نظام الإطلاق الفضائي) ومركبة “أوريون”. فبعد رحلة “أرتيميس 1” غير المأهولة التي أثبتت كفاءة المركبة في ظروف حقيقية، تمثل هذه المهمة الجديدة قفزة نوعية؛ إذ ستحمل أربعة رواد فضاء في رحلة تستغرق حوالي 10 أيام حول القمر، بهدف التحقق من أنظمة دعم الحياة والملاحة والاتصالات الضرورية للبعثات المستقبلية إلى السطح.
بدأ الحجر الصحي، الذي انطلق نهاية يوم الجمعة الماضي، كجزء من “برنامج استقرار الصحة” الذي يهدف لتقليل مخاطر إصابة رواد الفضاء بأي أمراض قبل أيام من الإطلاق. وقد بدأ أفراد الطاقم – وهم الأمريكيون ريد وايسمان وفيكتور جلوفر وكريستينا كوش، إضافة إلى الكندي جيريمي هانسن – هذه المرحلة في مدينة هيوستن. ومن المنتظر، إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، أن يتوجهوا إلى مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا قبل حوالي ستة أيام من الانطلاق، حيث سيقيمون في مبنى “نيل أ. أرمسترونج” المخصص لرواد الفضاء قبل الرحلات.
في غضون ذلك، تتواصل التحضيرات الفنية على قدم وساق في منصة الإطلاق 39B بمركز كينيدي الفضائي. وصل صاروخ SLS وكبسولة “أوريون” إلى الموقع في 17 يناير الماضي، ومنذ ذلك الحين، أنجزت الفرق مهام أساسية شملت توصيل خطوط التطهير، واختبار الأنظمة الميكانيكية، والتحقق من الاتصالات، وتفعيل مكونات مختلفة للمركبة. كما جرى تركيب نظام الهروب في حالات الطوارئ، وتم تحميل مواد مثل الحقائب الطبية والأجهزة اللوحية للاستخدام أثناء الرحلة، بالإضافة إلى التجارب العلمية.
ومن بين أهم الاختبارات التي يجب أن يجتازها النظام قبل الإطلاق، ما يُعرف بـ “التجربة الرطبة الشاملة” (wet dress rehearsal)، وهي محاكاة كاملة لعملية تحميل الوقود والعد التنازلي حتى اللحظات الأخيرة قبل الإشعال. هذا الاختبار، الذي يتضمن التعامل مع أكثر من 2.6 مليون لتر من الوقود المبرد، من المقرر إجراؤه خلال الأيام القليلة المقبلة، وستكون نتيجته حاسمة في تحديد الموعد النهائي للإطلاق. وفي حال استدعت الضرورة، قد تعيد “ناسا” نقل صاروخ SLS ومركبة “أوريون” إلى مبنى التجميع لإجراء تعديلات إضافية.
ستسلك مهمة “أرتيميس 2” مسارًا بعيدًا للعودة الحرة حول القمر. وعلى عكس “أرتيميس 1″، ستحمل “أوريون” هذه المرة طاقمًا بشريًا، مما سيتيح التحقق من كافة الأنظمة في ظروف تشغيل حقيقية مع وجود رواد فضاء. ستستغرق الرحلة حوالي 10 أيام، يحلّق خلالها رواد الفضاء فوق الجانب البعيد من القمر، ثم يعودون إلى الأرض بهبوط في المحيط الهادئ. ستكون هذه هي المرة الأولى التي يقترب فيها البشر من القمر بهذا الشكل منذ عام 1972.
في الوقت نفسه، تتدرب الفرق المسؤولة عن استعادة الكبسولة على عمليات ما بعد الهبوط في المحيط. يجري أفراد من “ناسا” ووزارة الدفاع تدريبات محاكاة في عرض البحر، يتدربون خلالها على إنقاذ وحدة “أوريون” واستخراج الطاقم بأمان. تتطلب هذه المهام تنسيقًا دقيقًا للغاية، خاصة في ظل الظروف البحرية غير المتوقعة.
ورغم كل هذه التطورات، لم تحدد “ناسا” بعد موعدًا رسميًا للإطلاق. تفتح نافذة الإطلاق المبكرة في 6 فبراير، لكن القرار النهائي سيتوقف على نتيجة “التجربة الرطبة الشاملة” والتقييم الكامل لجميع الأنظمة. ويسمح الحجر الصحي المبكر بالحفاظ على المرونة اللازمة لاستغلال أي فرصة للإطلاق خلال تلك الفترة.
مع دخول الطاقم الحجر الصحي والتقدم السلس في التحضيرات الفنية، تبرز “أرتيميس 2” كالمهمة التي ستعيد البشرية إلى جوار القمر. هذه الخطوة الجديدة تؤكد التزام “ناسا” بالعودة المستدامة إلى البيئة القمرية، ليعود الإنسان إلى مسرح لم يزره منذ أكثر من خمسة عقود.
