دعم كازاخستاني لممر أمريكي بالقوقاز.. هل تتغير خريطة النفوذ؟
أستانا تراهن على "طريق ترامب" لتجاوز الطرق التقليدية.. خطوة تعيد تشكيل موازين القوى.

في خطوة قد تعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي في منطقة القوقاز، أعلنت كازاخستان دعمها لمبادرة “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP). جاء الإعلان خلال زيارة رسمية لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إلى أستانا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل ممرات النقل الإقليمية وموازين القوى في منطقة حساسة تاريخيًا. إنها لحظة فارقة، حيث تلتقي فيها المصالح الاقتصادية مع الطموحات الجيوسياسية.
تحول استراتيجي
لم يكن الدعم الكازاخستاني مجرد تصريح دبلوماسي عابر. فقد أكد الرئيس قاسم جومارت توكاييف، خلال لقائه بباشينيان، اهتمام بلاده بـالمشاركة الفاعلة في المشروع، مشيرًا إلى أهمية ربطه بمشروعات كبرى أخرى مثل “طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين” (TITR) و”الممر الشمالي الجنوبي”. يُفسر محللون هذه الخطوة بأنها محاولة من أستانا لتنويع شراكاتها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الطرق التقليدية، وربما التحوط من أي تقلبات مستقبلية في جوارها الإقليمي.
شريان اقتصادي
يكمن جوهر هذا التحرك في الأهمية الاستراتيجية لـممر زانجيزور، الذي يهدف إلى ربط أذربيجان بتركيا عبر أرمينيا. وبحسب نائب رئيس الوزراء الكازاخستاني، سيريك جومانجارين، فإن الهدف هو “تنويع الاقتصاد”، مضيفًا أن “هذا الطريق سيسمح لنا بالوصول إلى ناختشيفان، ثم مباشرة إلى تركيا”. يبدو أن لغة الاقتصاد باتت هي الأعلى صوتًا في منطقة معقدة، حيث توفر الممرات الجديدة بدائل أسرع وأكثر جدوى من الطرق الحالية عبر إيران أو جورجيا.
لعبة الكبار
يُرجّح مراقبون أن الدعم الكازاخستاني لمبادرة تحمل اسمًا أمريكيًا ليس مصادفة. فهو يضع المشروع في سياق دولي أوسع، ويمنحه غطاءً سياسيًا قد يسهل تنفيذه في وجه أي اعتراضات محتملة. كما يعكس رغبة دول آسيا الوسطى في الانفتاح على شراكات غربية لموازنة النفوذ التقليدي لروسيا والصين في المنطقة. ففي النهاية، كل ممر نقل جديد هو ورقة إضافية في لعبة التوازنات الدولية المعقدة.
ثمار السلام
يأتي هذا التطور في أعقاب اتفاق السلام التاريخي بين أرمينيا وأذربيجان، والذي لعبت فيه كازاخستان دور الوسيط باستضافتها محادثات مهمة في ألماتي. وقد أشاد باشينيان بهذا الدور، معتبرًا أن “السلام الذي أُرسي يقوم على إعلان ألماتي”. هذا الربط بين الدبلوماسية والمشروعات الاقتصادية يؤكد أن الاستقرار السياسي هو حجر الزاوية لأي ازدهار اقتصادي، وأن المنطقة بدأت بالفعل تجني ثمار التوجه نحو تسوية النزاعات.
في المحصلة، يمثل الموقف الكازاخستاني أكثر من مجرد دعم لمشروع بنية تحتية؛ إنه إشارة واضحة على تشكل نظام إقليمي جديد في القوقاز وآسيا الوسطى. نظام يقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة والشراكات المتعددة، وقد يكون له تأثير عميق على خريطة التجارة والنفوذ العالمية في السنوات القادمة.









