خطبة الجمعة عن البيئة.. رسالة دينية في مواجهة التغير المناخي
الأوقاف توجه بتخصيص خطبة الجمعة للحفاظ على البيئة، وتؤكد أن حمايتها واجب شرعي لبناء الحضارة ومواجهة التحديات المناخية

في خطوة تعكس الاهتمام المؤسسي المتزايد بقضايا الاستدامة، أعلنت وزارة الأوقاف عن موضوع خطبة الجمعة القادمة، لتتمحور حول واجب الحفاظ على البيئة. يأتي هذا التوجيه ليربط المسؤولية البيئية بالواجب الديني، في محاولة لتوظيف الخطاب الديني لمواجهة التحديات المعاصرة.
أصدرت وزارة الأوقاف بيانًا يحدد موضوع خطبة الجمعة الموافق 24 أكتوبر 2025، لتكون تحت عنوان «البيئة هي الرحم الثاني والأم الكبرى». وأوضحت الوزارة أن الهدف من الخطبة الموحدة هو ترسيخ وعي مجتمعي بأهمية الحفاظ على البيئة، واعتبارها ركيزة أساسية في بناء الحضارات واستمرار الحياة بشكل آمن ومستقر.
يأتي هذا التوجيه في سياق عالمي ومحلي يضع التحديات البيئية، وعلى رأسها التغير المناخي، ضمن أولويات العمل الوطني. ويمثل توظيف المنبر الديني أداة فعالة للوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع، وتأطير قضية البيئة ضمن منظومة القيم الأخلاقية والإيمانية، وليس فقط كمسؤولية قانونية أو مدنية.
أسس دينية لحماية الكوكب
يستند النص الموحد للخطبة على قاعدة شرعية متينة، تبدأ بتأكيد أن الله سخّر الكون لخدمة الإنسان، مستشهدًا بآيات من سورة النحل. وينتقل النص ليؤكد على مبدأ “الاستخلاف في الأرض”، الذي يحمّل الإنسان أمانة عمارة الأرض وإصلاحها، مع التحذير الشديد من الإفساد فيها، استنادًا إلى آيات من سور الأعراف والبقرة وهود.
تنتقل الخطبة من الإطار العام إلى تفاصيل عملية مستمدة من السنة النبوية، حيث تشدد على أهمية الزراعة والغرس كصدقة جارية، مستشهدة بحديث “ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا…”. كما تحذر من قطع الأشجار بغير ضرورة، وتعتبره مظهرًا من مظاهر الفساد في الأرض، وتستشهد بحديث “منْ قَطَعَ سدرةً صَوَّبَ اللهُ رأسَهُ في النّارِ”.
الماء والنظافة: ركائز الحياة
تولي الخطبة اهتمامًا خاصًا بقضية المياه، بوصفها عماد الحياة، وتدعو إلى ترشيد استهلاكها حتى في أثناء العبادات كالوضوء. وتستعرض الأحاديث النبوية التي تنهى بشدة عن تلويث مصادر المياه، مثل النهي عن التبرز في الموارد المائية أو تلويث الماء الراكد، مما يؤكد على حق المجتمع في بيئة نظيفة وآمنة.
كما يربط النص بين الإيمان والنظافة العامة، مستشهدًا بالآية الكريمة “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ”، والحديث النبوي “إنَّ اللهَ تعالى طيبٌ يُحِبُّ الطيبَ، نظيفٌ يُحِبُّ النظافةَ”. وبهذا، يتحول الحفاظ على البيئة ونظافتها إلى سلوك إيماني يعكس نقاء العقيدة وطهارة النفس.
تحليل: من الإفساد إلى المسؤولية الجنائية
في الجزء الثاني من الخطبة، يتصاعد مستوى التحذير، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد التوجيه الأخلاقي. فالنص يصف كل من يتعدى على البيئة بأنه “مفسد ومعتدٍ”، سواء بتلويث الماء أو الهواء أو الزرع. ويقدم تحليلًا عميقًا لمفهوم الاعتداء على الزرع، ليتجاوز مجرد القطع إلى استخدام المبيدات الضارة وغير المصرح بها لتحقيق مكاسب مادية على حساب صحة الناس.
هذا التوصيف ينقل الفعل من دائرة المخالفة إلى دائرة الإثم والجريمة الدينية والمجتمعية، ويضع مرتكبه في مواجهة مباشرة مع دينه ووطنه. إن اختيار عنوان الخطبة “الرحم الثاني” هو استعارة بليغة تعيد تعريف علاقة الإنسان ببيئته، فتحولها من علاقة استغلال إلى علاقة اعتماد وجودي، مما يجعل حماية الكوكب واجبًا فطريًا وأخلاقيًا لا يقل أهمية عن بر الوالدين.









