حرب الرقائق: الصين تخنق إمدادات المعادن النادرة وأمريكا ترد

على وقع طبول الحرب التجارية، حبس العالم أنفاسه من جديد، حيث تستعد شركات أشباه الموصلات العالمية لمواجهة اضطرابات عنيفة في سلاسل التوريد. يأتي هذا التوتر بعد أن أطلقت الصين رصاصة تحذيرية بفرض قيود على صادرات المعادن النادرة، لترد الولايات المتحدة بقوة عبر رسوم جمركية عقابية وقيود على تصدير البرمجيات الحيوية.
صدمة في شرايين التكنولوجيا العالمية
لم تكن القيود الصينية مجرد إجراء روتيني، بل هي الخطوة الأكثر جرأة حتى الآن من بكين للسيطرة على إمدادات المعادن النادرة، التي تعد عصب الصناعات التكنولوجية المتقدمة. يرى المحللون أن هذه الخطوة تمثل محاولة بكين الأولى لفرض “ولاية قضائية عابرة للحدود” على الشركات الأجنبية، مستهدفة بشكل مباشر صناعة أشباه الموصلات التي تغذي ثورة الذكاء الاصطناعي.
الرد الأمريكي لم يتأخر، حيث أعلن الرئيس دونالد ترمب عن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على السلع الصينية، مصحوبة بقيود تصدير صارمة تشمل “كل وجميع البرمجيات الحيوية”، في تصعيد يعيد الأجواء إلى مربع التوتر الأول.
شركة ASML في قلب العاصفة
في قلب هذه العاصفة تقف شركة “إيه إس إم إل هولدينغ” (ASML) الهولندية، العملاق الذي لا ينافسه أحد في تصنيع آلات إنتاج الرقائق الأكثر تقدماً. ووفقاً لمصادر مطلعة، قد تتسبب قيود المعادن النادرة في تأخير شحنات الشركة لأسابيع، مما يهدد بإحداث اختناق في خطوط إنتاج عمالقة التكنولوجيا حول العالم.
تعتمد آلات ASML وشركات المعدات الأخرى مثل “أبلايد ماتيريالز” بشكل كبير على هذه المعادن، التي تدخل في صناعة المغانط الدقيقة وأجهزة الليزر والمكونات الحساسة الأخرى. وتواجه ASML تحدياً إضافياً يتمثل في بند يلزمها بالحصول على موافقة صينية لإعادة تصدير أي منتج يحتوي على معادنها، مما دفعها للضغط على حلفائها في هولندا وأمريكا لإيجاد بدائل عاجلة.
مخاوف من شلل سلاسل التوريد
داخل أروقة الشركات الأمريكية، يسود القلق. كشف مدير رفيع في إحدى شركات أشباه الموصلات الكبرى أن الخطر المباشر يتمثل في ارتفاع أسعار المغناطيس المعتمد على المعادن النادرة. فيما تسابق شركة أخرى الزمن لتحديد منتجاتها التي تحتوي على مكونات صينية، خشية أن تؤدي متطلبات الترخيص الجديدة إلى شل عملياتها بالكامل.
وتزيد القيود الأمريكية المقترحة من حالة الغموض، حيث لم يتضح بعد ما هي “البرمجيات الحيوية” التي ستطالها قرارات ترمب. وكانت الإدارة الأمريكية قد فرضت بالفعل متطلبات ترخيص على برمجيات تصميم الرقائق، في خطوة جاءت رداً على قيود صينية سابقة.
أبعاد سياسية وتداعيات عالمية
وصفت غراسلين باسكاران، الخبيرة في المعادن الحيوية بـمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الخطوة الصينية بأنها “أشد ضوابط التصدير التي استخدمتها الصين حتى الآن”، مؤكدة أن بكين تملك الأدوات لإجبار الشركات العالمية على الامتثال. ومع ذلك، يشكك البعض في استمرارية هذه القيود، معتبرين أنها قد تكون ورقة ضغط سياسية قبل لقاء مرتقب بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ.
لكن تهديدات ترمب الأخيرة بإلغاء اللقاء، ووصفه للقيود الصينية بأنها “عدائية”، تشير إلى أن التوتر قد خرج عن السيطرة. وقال ترمب عبر منصته: “لا يمكن السماح للصين بأن تُبقي العالم رهينة لديها”. وقد وصف جون مولينار، رئيس لجنة الاختيار الخاصة بالصين في مجلس النواب الأمريكي، الخطوة بأنها “إعلان حرب اقتصادية على الولايات المتحدة“.
ردود فعل دولية قلقة
لم يقتصر القلق على واشنطن وبكين، فقد أعربت وزارة الاقتصاد الألمانية عن “قلقها البالغ”، مؤكدة تواصلها مع الشركات الأوروبية لتنسيق الرد. أما تايوان، مركز صناعة الرقائق العالمي، فأعلنت أنها لا تزال تقيّم حجم التأثير على صناعتها الحيوية، وتراقب عن كثب أي تقلبات في أسعار المواد الخام العالمية.
فيما يلتزم عمالقة تصنيع الرقائق مثل “إنتل” و”سامسونغ” و”TSMC” الصمت، يترقب العالم بقلق فصول هذه المواجهة التكنولوجية المفتوحة، التي تهدد بتغيير ملامح الاقتصاد العالمي وتحديد مستقبل التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي.









