حرب أكتوبر.. لماذا غابت بطولاتها عن الشاشة؟

مع كل ذكرى لنصر حرب أكتوبر المجيدة، يعود الحنين إلى شاشة السينما التي جسدت الملحمة الوطنية في روائع خالدة. لكن السؤال يطرح نفسه بقوة اليوم وسط هذا الاحتفاء: لماذا توقفت عجلة إنتاج هذه الأعمال الفنية التي لا تؤرخ فقط لنصر عسكري، بل تشكل ذاكرة أمة بأكملها؟
لطالما كانت السينما المصرية هي السجل الحي لبطولات المصريين، فمن منا ينسى «الرصاصة لا تزال في جيبي»، «العمر لحظة»، أو الملحمة البحرية في «الطريق إلى إيلات»؟ كانت هذه الأفلام جزءًا من نسيجنا الوطني، تنقل للأجيال الجديدة معنى التضحية والفداء. لكن في السنوات الأخيرة، حل صمت غريب، لم يقطعه سوى فيلم «الممر»، الذي أثبت أن الجمهور لا يزال متعطشًا لهذه النوعية من البطولات الحقيقية.
غياب المنتج المغامر وحسابات السوق
ترى الناقدة الفنية ماجدة موريس أن الأزمة تكمن في “انتهاء عصر المنتجين الكبار”، أولئك الذين كانوا يحملون همًا وطنيًا يتجاوز حسابات شباك التذاكر. هؤلاء المنتجون كانوا يرون في إنتاج الأفلام الحربية رسالة ومسؤولية تاريخية، وهو ما تفتقده الساحة حاليًا التي تحكمها اعتبارات تجارية بحتة.
ويؤكد هذا الرأي الناقد الفني حسين شمعة، الذي يشير إلى أن تخوف المنتجين من المردود المادي هو العائق الأكبر. فصناعة فيلم عن حرب أكتوبر تتطلب ميزانيات ضخمة لتوفير المعدات العسكرية والمؤثرات البصرية الضخمة، وهو استثمار عالي المخاطر قد لا يضمن عائدًا ماديًا كبيرًا، مما تسبب في حالة من “الكسل الإنتاجي” خاصة في العقد الأول من الألفية.
هل تعود الدولة لإنقاذ الذاكرة الوطنية؟
يبدو أن هناك ضوءًا في نهاية النفق، حيث بدأ المشهد يتغير بعد ثورة يناير. يوضح شمعة أن الدولة، ممثلة في الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، بدأت تولي اهتمامًا كبيرًا بالأعمال الوطنية والتاريخية. ظهر ذلك جليًا في أعمال تناولت الحرب على الإرهاب مثل «الاختيار» و«هجمة مرتدة»، بالإضافة إلى فيلم «الممر» الذي أعاد الروح لسينما الحرب.
وتطرح ماجدة موريس حلًا عمليًا، داعيةً وزارة الثقافة والشركة المتحدة لعقد اجتماع مع المنتجين والكتاب، للاتفاق على خطة طموحة لتقديم فيلم كبير عن حرب أكتوبر كل عام. وتتساءل: “هل هذا مستحيل؟”، مشيرة إلى وجود العديد من القصص والبطولات التي لم تُروَ بعد، والتي تستحق أن تُخلد على الشاشة.
رغم أن التكلفة الإنتاجية الباهظة لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا، إلا أن وجود إرادة سياسية وكيان إنتاجي وطني قوي يبشر بإمكانية عودة هذه الأعمال الضرورية. فالحفاظ على ذاكرة نصر أكتوبر حيّة في وجدان الأجيال الجديدة ليس مجرد رفاهية فنية، بل هو ضرورة وطنية للحاضر والمستقبل.









