حاملة الطائرات ‘فوجيان’.. قفزة صينية تهدد الهيمنة البحرية الأمريكية
ليست مجرد سفينة.. كيف تغير حاملة طائرات صينية جديدة قواعد اللعبة في المحيطات؟

لم يكن تدشين الصين لحاملة طائراتها الثالثة “فوجيان” مجرد حدث عسكري تقليدي، بل مثّل رسالة استراتيجية واضحة بأن بكين لم تعد تكتفي بلعب دور القوة الإقليمية. فمع هذه القطعة البحرية المتطورة، تدخل الصين رسميًا عصر المنافسة المباشرة على النفوذ في المياه الزرقاء العميقة، وهو الميدان الذي هيمنت عليه البحرية الأمريكية لعقود.
قفزة تكنولوجية تغير قواعد اللعبة
تُعتبر حاملة الطائرات فوجيان درة التاج في الترسانة البحرية الصينية، ليس فقط لكونها الثالثة بعد “لياونينغ” و”شاندونغ”، بل لأنها تجسد قفزة نوعية تتجاوز مجرد العدد. فبينما اعتمدت الحاملتان السابقتان على تكنولوجيا سوفييتية معدّلة، تأتي “فوجيان” مزودة بـالمنجنيق الكهرومغناطيسي (EMALS)، وهي تقنية متطورة لم تكن حكرًا إلا على أحدث حاملات الطائرات الأمريكية، “يو إس إس جيرالد فورد”.
هذا التحول من أنظمة الإقلاع المائلة القديمة إلى المنجنيق الكهرومغناطيسي لا يعكس فقط قدرة الصين على استيعاب وهندسة تكنولوجيا عسكرية معقدة، بل يشير إلى نضج صناعتها الدفاعية. يرى محللون عسكريون أن امتلاك هذه التقنية يضع البحرية الصينية على قدم المساواة تقنيًا مع نظيرتها الأمريكية في مجال عمليات الطيران البحري، وهو ما يمثل مصدر قلق حقيقي لواشنطن التي تراقب هذا الصعود المتسارع.
ماذا يعني المنجنيق الكهرومغناطيسي؟
على عكس المنجنيق البخاري التقليدي الذي يفرض ضغطًا هائلاً على هياكل الطائرات، يوفر نظام EMALS عملية إقلاع أكثر سلاسة وتحكمًا. تسمح هذه الميزة بإطلاق طائرات أثقل بحمولات أكبر من الأسلحة والوقود، وعلى رأسها طائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمولة جوًا (AWACS) مثل الطائرة الصينية KJ-600. كما يفتح الباب أمام تشغيل الطائرات الشبحية من الجيل الخامس والمسيّرات القتالية بكفاءة أعلى، وهو ما يضاعف القوة الضاربة للحاملة بشكل كبير.
ذراع استراتيجية جديدة لبكين
مع دخول حاملة الطائرات فوجيان الخدمة، تتحول البحرية الصينية من قوة دفاع ساحلي إلى قوة قادرة على تنفيذ مهام بعيدة المدى. لم يعد الهدف مقتصرًا على بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، بل امتد ليشمل حماية خطوط الملاحة والتجارة الحيوية في المحيطين الهندي والهادئ. يقول الخبير في الشؤون العسكرية، حسن عبد الله، إن “فوجيان تمنح الصين القدرة على تشكيل مجموعات قتالية متكاملة تستطيع العمل لآلاف الأميال بعيدًا عن شواطئها، وهو ما يغير حسابات أي مواجهة محتملة في المنطقة”.
تستطيع الحاملة الجديدة إطلاق مقاتلات J-35 الشبحية وطائرات الحرب الإلكترونية J-15D بحمولات كاملة، ما يمنح بكين تفوقًا جويًا وبحريًا لم تكن تملكه من قبل. هذه القدرة على بسط النفوذ العسكري بعيدًا عن البر الرئيسي تمثل تحديًا مباشرًا لشبكة القواعد والتحالفات التي بنتها الولايات المتحدة في آسيا على مدار عقود.
سباق الهيمنة البحرية
رغم هذه القفزة الصينية، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق كبير. فأسطولها يضم 11 حاملة طائرات، جميعها تعمل بالطاقة النووية، ما يمنحها مدى عمليات غير محدود وقدرة على البقاء في البحر لسنوات. في المقابل، لا تزال “فوجيان” تعمل بالدفع التقليدي، كما أن البحرية الأمريكية تمتلك خبرة قتالية وعقيدة عملياتية تمتد لعقود من الزمن.
لكن نقطة القوة الصينية تكمن في وتيرة التصنيع المذهلة. ففي غضون 12 عامًا فقط، نجحت الصين في بناء وتشغيل ثلاث حاملات طائرات، كل منها أكثر تطورًا من سابقتها. هذه السرعة في الإنتاج، مقترنة بالقدرة على تقليص الفجوة التكنولوجية، تضع ضغطًا غير مسبوق على واشنطن وحلفائها الذين يجدون صعوبة في مجاراة هذا الإيقاع الصناعي.
في الختام، تمثل حاملة الطائرات فوجيان أكثر من مجرد قطعة بحرية متطورة؛ إنها رمز لتحول موازين القوى العالمية. ورغم أن التفوق الأمريكي لا يزال قائمًا، فإن المسار الذي تسير عليه الصين يشير بوضوح إلى أن عصر الهيمنة البحرية الأمريكية المطلقة قد دخل مرحلة جديدة من المنافسة الشرسة، حيث لم يعد الزمن في صالح أحد.








