فن

جولييت بينوش: امرأة تذوب في شخصياتها كالسكر في القهوة

في تكريم مهرجان البحر الأحمر للنجمة الفرنسية، نتتبع مسيرة فنانة لا تمثل الأدوار، بل تحياها، لتصبح جزءاً من نسيج السينما العالمي.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

هناك ممثلون يدهشونك ببراعة صنعتهم. وهناك قلة نادرة تجعلك تنسى أنك تشاهد تمثيلاً من الأساس. تشعر أنك أمام حياة حقيقية، تتكشف على الشاشة بكل تعقيداتها الصادقة. تنتمي النجمة الفرنسية جولييت بينوش، التي يحتفي بها مهرجان البحر الأحمر السينمائي في دورته الحالية، إلى هذه الفئة القليلة. إنها لا تؤدي الدور، بل تسكنه، أو ربما هو من يسكنها، حتى يختلط عليك الأمر، وتتساءل: هل الشخصية تشبه الممثلة، أم أن الممثلة هي من نفخت في الشخصية روحها؟

ورقٌ يمشي على قدمين

لنتذكر معاً شخصية تيريزا في فيلم “خفة الكائن التي لا تحتمل”. كان ذلك عام 1988، حين وصلت إلينا رائعة ميلان كونديرا عبر شرائط الفيديو، حاملة معها وجهاً فرنسياً جديداً. من شاهد الفيلم آنذاك، شعر وكأن تيريزا قفزت من صفحات الرواية لتتجسد في هيئة بينوش. أداؤها، إلى جانب دانيال داي لويس، منح الشخصيات الأدبية لحماً ودماً، لدرجة أن قراءة الرواية اليوم دون استحضار ملامحهما باتت مهمة شبه مستحيلة. إنه ذلك الاتحاد النادر بين النص والممثل، الذي يذكرنا بتجسيد يحيى شاهين لشخصية “سي السيد” في ثلاثية نجيب محفوظ، فبدا وكأنه خرج يمشي من بين السطور. يُحكى أن الفنان القدير محمود مرسي، الذي أدى الشخصية ذاتها في مسلسل تلفزيوني، قال ذات مرة إن الشخصية كانت تبحث عن شاهين، بينما ظل هو يبحث عنها. مع جولييت بينوش، يتملكنا الشعور ذاته دائماً: الشخصيات هي التي تبحث عنها.

ملاك الرحمة.. وجائزة الأكاديمية

تكرر هذا الإحساس في “المريض الإنجليزي” عام 1996. ظهرت بينوش في دور الممرضة هانا، ملاك الرحمة الذي يضمد جراح جندي محترق في دير إيطالي معزول. كانت شخصيتها شعاع نور هادئ في فيلم يعج بالألم والفقد، حضورها القصير زمنياً كان عميقاً في تأثيره. لم يكن غريباً أن يحصد هذا الدور تقديراً عالمياً ساحقاً، فبدأ من مهرجان برلين، مروراً بجائزة البافتا البريطانية، وصولاً إلى تتويجها بجائزة الأوسكار كأفضل ممثلة مساعدة. تمتلك بينوش كل مقومات النجومية، من جمال وجاذبية وأناقة باريسية الطابع، لكنها تظل قبل كل شيء فنانة عظيمة تضع الفيلم أولاً، وتخوض كل عمل جديد كأنه رحلة استكشافية إلى المجهول.

قلبٌ مفتوح على مصراعيه

ولدت جولييت في باريس عام 1964 لأبوين فنانين. شربت حب المسرح منذ طفولتها، لكن هذا العالم سرعان ما اهتز بانفصال والديها وهي في الرابعة. حياة غير مستقرة، قضتها متنقلة بين بيوت العائلة والمدرسة الداخلية، تركت أثراً عميقاً في تكوينها. لكنها حولت هذا الألم إلى وقود فني. في حوار لها مع محطة BBC، ترى بينوش أن تلك الطفولة المضطربة كانت سبباً في صقل موهبتها: “أعتقد أنها ساعدتني كثيراً كممثلة، لأنها تفتح قلبك بطريقة ما. الأمر مؤلم، لكن عليك أن تجد في داخلك سبيلاً للنجاة”. هذا القلب المفتوح هو ما حملته معها إلى السينما، بعد أن صقلته دراستها على يد فيرا كريج، التي علمتها الدرس الأهم: “لقد جعلتني أكف عن التمثيل، وأتعلم كيف أعيد خلق الحياة”.

على حافة الجسر.. وعلى قمة أوروبا

كانت انطلاقتها الكبرى مع المخرج أندريه تشيينيه في فيلم “Rendez-vous” عام 1985، لكن علاقتها الفنية والشخصية بالمخرج ليوس كاراكس هي التي صنعت منها أيقونة للسينما الأوروبية الجريئة. في فيلمهما “عشاق الجسر التاسع”، قدمت واحداً من أكثر أدوارها تطلباً، حيث لعبت دور رسامة تفقد بصرها تدريجياً. كادت أن تغرق بالفعل أثناء تصوير أحد المشاهد الخطرة، ونجت بأعجوبة. تلك الحادثة علمتها درساً آخر: “الحياة تأتي أولاً قبل الأفلام”. من الصعب حصر مسيرتها الممتدة لأربعة عقود، لكن نظرة على أسماء المخرجين الذين عملت معهم تكفي: من كريستوف كيشلوفسكي في رائعته “ثلاثية الألوان: أزرق”، الذي نالت عنه جائزة أفضل ممثلة في فينيسيا، إلى ميكائيل هاينكه في فيلم “مخفي”، وعباس كياروستامي في “نسخة طبق الأصل”، الذي منحها سعفة “كان” الذهبية. بهذا الفوز، أصبحت بينوش أول ممثلة في التاريخ تفوز بجوائز التمثيل الكبرى في المهرجانات الأوروبية الثلاثة: كان، وبرلين، وفينيسيا.

ممثلة بلا حدود

لم تحصر بينوش نفسها في السينما الفرنسية. إنها الممثلة الأكثر “عالمية” في جيلها. من العمل مع الإيراني كياروستامي، إلى الكندي ديفيد كروننبرج، والتايواني هو سياو-سين، والياباني هيروكازو كور-إيدا، وحتى مشاركتها في أفلام هوليوودية ضخمة مثل “Godzilla”. إنها فنانة كوزموبوليتانية حقيقية، تجسد روح باريس المنفتحة على العالم، وروح فرنسا التي نادت بالحرية والإخاء والمساواة. تلك الروح التي عبرت عنها في فيلم “أزرق”، حيث يرمز لونها إلى التسامح. وفي هذا الفيلم مشهد لا يُنسى. تجلس شخصيتها “جولي” في مقهى، غارقة في حزنها بعد فقدان زوجها وابنتها. تضع قطعة سكر في فنجان قهوتها، وتراقبها وهي تذوب ببطء. في تلك اللحظة، تبدو جولييت وكأنها هي الأخرى قد ذابت تماماً في شخصيتها، مثلما يذوب السكر في القهوة، تاركةً أثراً حلواً وعميقاً لا يُمحى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *