جودي فوستر في مراكش: حين تبحث هوليوود عن حكايات الشرق المفقودة
من "صمت الحملان" إلى ألوان الصويرة، النجمة الأميركية ترسم خريطة سينمائية جديدة للسينما العربية.

في قلب المدينة الحمراء، حيث تتلاقى الأضواء وتختلط الحكايات، جلست جودي فوستر. لم تكن مجرد نجمة مُكرَّمة في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، بل كانت عينًا فاحصة تبحث عن صورة لم تكتمل بعد في مخيلتها. صورة السينما العربية.
تحدثت بهدوء. لكن كلماتها حملت وزنًا كبيرًا. اعترفت بوجود فجوة معرفية هائلة تفصل المشاهد الأميركي عن النبض الإبداعي العربي، وهي فجوة بدت أكثر اتساعًا عند مقارنتها بالنافذة التي فتحتها السينما الإيرانية على مصراعيها للعالم. “للأسف لا نعرف الكثير عن السينما العربية”، قالتها بصدق يكشف عن شغف أكثر مما يكشف عن لوم. إنها تنتظر شهر أكتوبر من كل عام، موعد الإعلان عن ترشيحات الأوسكار، لتلتقط لمحات من هذا العالم السينمائي الثري عبر فئة أفضل فيلم دولي.
صورة من بعيد
هذا الغياب لا يعكس فقرًا في الإنتاج، بل هو أزمة وصول وتوزيع تحجب أصواتًا سينمائية متفردة عن جمهور متعطش للحكايات الإنسانية. في المقابل، استطاعت السينما الإيرانية، بلغة بصرية شاعرية ومواضيع جريئة، أن تحجز لنفسها مكانة راسخة في المهرجانات الكبرى، لتصبح صوتًا مألوفًا ومقدرًا. أشارت فوستر بإعجاب إلى فيلم المخرج جعفر بناهي “It Was Just An Accident”، واصفة إياه بـ”الرائع جدًا”، في إشارة تعكس متابعتها الدقيقة لمشهد سينمائي نجح في تجاوز حدوده الجغرافية والسياسية ليخاطب وجدانًا عالميًا.
دفء الألوان وإيقاع الأصوات
لم يكن حضورها في المغرب مجرد مشاركة بروتوكولية. كانت عيناها تتجولان في أزقة مراكش وميناء الصويرة، تلتقطان ما هو أبعد من المشهد السياحي. “المغرب يلهمني بصريًا”، قالتها وكأنها ترسم كادرًا سينمائيًا في الهواء. تحدثت عن الأماكن الرائعة، وعن تفاعل الألوان الدافئة مع إيقاعات الأصوات، وهي عناصر تشكل لوحة حسية غنية تنتظر من يترجمها إلى لغة الشاشة. لقد تحول المغرب في عينيها من مجرد موقع تصوير لأفلام هوليوود الكبرى إلى مصدر إلهام لقصص لم تُروَ بعد. “شيء يستحق أن يُرى على الشاشة”.

همسٌ غيّر حياتها
هذا البحث عن القصة الأصيلة يعيدنا إلى مسيرتها هي. إلى لحظة فارقة في تاريخ السينما وتاريخها الشخصي. فيلم “Silence of the Lambs” لم يكن مجرد عمل حصدت عنه جائزة أوسكار، بل كان، كما وصفته، الفيلم الذي غيّر حياتها. لقد كان عملاً “أكثر من رائع”، لأنه تجرأ على الجمع بين الرعب النفسي والعمق الإنساني، وطرح قضايا نسوية بذكاء لم يكن مألوفًا في أفلام التشويق. هذا الفيلم هو الدليل على أن أعظم الأعمال الفنية هي تلك التي تتجاوز نوعها الفني لتلامس شيئًا أعمق في التجربة الإنسانية.
من هنا، يبدو انتقالها إلى مقعد المخرج أمرًا طبيعيًا. فالشغف بالقراءة منحها الأدوات اللازمة لبناء العوالم، بينما أتاح لها التمثيل فهمًا دقيقًا لتعقيدات النفس البشرية. واليوم، تقف جودي فوستر في مراكش، لا كأيقونة من الماضي، بل كمخرجة وفنانة لا تزال تبحث عن القصة التالية، وعن صوت جديد، ربما يكون عربيًا هذه المرة.









