اقتصاد

جنون أسعار الفضة.. المعدن الأبيض يلامس قمته التاريخية في ظل أزمة خانقة بلندن

في مشهد يعيد للأذهان ذروات تاريخية، تشهد أسواق المعادن العالمية حالة من الهيجان، حيث قفزت أسعار الفضة بشكل جنوني لتلامس أرقامًا قياسية لم تشهدها منذ عقود، وسط أزمة إمدادات خانقة تضرب قلب سوق لندن للمعادن، وتثير تساؤلات حول مستقبل المعدن الأبيض.

قفزة صاروخية.. الفضة تحلق فوق 50 دولاراً

لم تكن مجرد ارتفاعات عادية، بل قفزة صاروخية دفعت الأسعار الفورية للمعدن النفيس لتتجاوز حاجز 51 دولاراً للأونصة، بزيادة بلغت 3.7% في لحظات، قبل أن تتراجع قليلاً. هذا الجنون لم يقتصر على سعر البيع، بل امتد ليشمل تكلفة اقتراض الفضة لمدة شهر في بورصة لندن، والتي سجلت مستوى قياسياً سنوياً بلغ 35%، في مؤشر واضح على شح المعروض.

هذه الموجة لم تكن حكراً على الفضة وحدها، فقد لحق بها كل من الذهب والبلاديوم اللذين شهدا ارتفاعات ملحوظة، وإن كانت الفضة هي نجمة المشهد بلا منازع، حيث سجلت مكاسب تتجاوز 70% منذ بداية العام، متفوقة بفارق شاسع على الذهب.

ما وراء الكواليس؟

وراء هذه الأرقام الصادمة، يقف المستثمرون الباحثون عن ملاذ آمن. فالرغبة في التحوط من حالة عدم اليقين المالي في الولايات المتحدة، والمخاوف من نشاط مفرط قد يؤدي إلى فقاعة في سوق الأسهم، بالإضافة إلى التهديدات التي تحوم حول استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي، كلها عوامل دفعت الكثيرين نحو الاستثمار في الفضة كمخزن للقيمة.

أزمة “لندن”.. شح غير مسبوق يهز السوق

تكمن جذور الأزمة الحالية في لندن، المركز العالمي لتجارة المعادن. ففي وقت سابق من العام، أدت المخاوف من فرض رسوم جمركية أمريكية على الفضة إلى تدفق كميات هائلة من المعدن نحو نيويورك، مما أدى إلى استنزاف المخزونات في لندن بشكل حاد.

ما زاد الطين بلة هو أن معظم الفضة المتبقية في خزائن لندن تدعم الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs)، وهو ما يجعلها عملياً “محجوزة” وغير متاحة للبيع أو الاقتراض بسهولة في السوق الفورية. هذا الوضع خلق أزمة معروض حادة، يمكن تلخيص أسبابها في النقاط التالية:

  • تدفق كبير للفضة من لندن إلى نيويورك.
  • استنزاف المخزونات المتاحة للبيع الفوري.
  • حجز كميات ضخمة من الفضة لصالح صناديق الاستثمار المتداولة.

فجوة سعرية تفتح باب المضاربات

أدت هذه الأزمة إلى ظاهرة نادرة، حيث انقلب الفارق السعري المعتاد بين أسعار العقود الآجلة في نيويورك والأسعار الفورية في لندن. فبدلاً من أن تكون أسعار نيويورك أعلى ببضعة سنتات، تحولت إلى خصم يتجاوز 2.50 دولار للأونصة، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للمضاربين لشراء المعدن الأرخص في أمريكا وشحنه لبيعه بالسعر الأعلى في بريطانيا.

على خطى “الأخوين هانت”.. التاريخ يعيد نفسه؟

هذا الضغط الهائل يدفع الأسعار نحو مستوى 52.50 دولار للأونصة، وهو رقم قياسي أسطوري سُجل عام 1980. يعيد هذا المشهد إلى الأذهان قصة الأخوين المليارديرين نيلسون وويليام هانت من تكساس، اللذين حاولا احتكار سوق الفضة العالمي خوفاً من التضخم، وقاما بتخزين أكثر من 200 مليون أونصة، مما دفع السعر فوق 50 دولاراً قبل أن ينهار السوق بشكل دراماتيكي إلى ما دون 11 دولاراً.

وبينما يراقب العالم ما يحدث، سجل سعر الفضة الفورية بحلول ظهيرة يوم التداول بتوقيت لندن ارتفاعاً بنسبة 1.5% ليستقر عند 50.02 دولار للأونصة، في حين يواصل المستثمرون حبس أنفاسهم ترقباً لما ستسفر عنه هذه الدراما الاقتصادية المثيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *