تتوهج أضواء مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مرة أخرى للمخرج اللبناني الشاب نيقولا خوري. إنه شعور مألوف. قبل أربع سنوات، خطف الأضواء بفيلمه الأول “فياسكو”، حاصداً جائزتين ثمينتين. واليوم، يعود بفيلمه الثاني “ثريا حبي”، لا ليشارك فحسب، بل لينتزع جائزة أفضل فيلم وثائقي من قلب المسابقة الدولية، مؤكداً أن صوته السينمائي ليس عابراً، بل هو بصمة فنية عميقة ومكتملة.
ما يربط بين فيلميه ليس النجاح فقط، بل خيط من الحميمية الشفافة. سينما نيقولا تنبع من الذات. في “فياسكو”، كان يستجوب هويته الخاصة على أعتاب الثلاثين. أما في “ثريا حبي”، فإنه يغوص في حكاية شخصية أخرى، لكنها لا تقل وجعاً وجمالاً: قصة الحب والغياب التي جمعت الفنانة ثريا بغدادي بزوجها المخرج الأسطوري مارون بغدادي، الذي رحل عن عالمنا في ريعان شبابه. تبدأ الحكاية من مكالمة هاتفية متوترة. نسمع صوت ثريا عبر شاشة سوداء، معترضة بحدة على فكرة الفيلم الأولية. “لا يمكن أن تُصادَر حياتي كلها في كوني أرملة المخرج العبقري”، جملة تكثف أزمة وجودية كاملة. لقد تركها مارون، الذي توفي في حادثة سقوط غامضة عن عمر يناهز 43 عاماً، وهي في بداية الثلاثينات، لتعيش داخل ظله الهائل، ظلٌ أحبته وقاومته في آن واحد. هذه المكالمة الخشنة لم تكن عائقاً، بل كانت المفتاح الذي فتح باب الروح على مصراعيه، معلنةً أن هذا الفيلم لن يكون مجرد رثاء، بل حواراً صريحاً مع الذاكرة.
### حوار مع طيف
كان من السهل على خوري أن ينجرف نحو الإثارة. سيرة مارون بغدادي، المخرج الذي وثّق [الحرب الأهلية اللبنانية](https://www.britannica.com/event/Lebanese-Civil-War) في أعمال خالدة مثل “حروب صغيرة”، مليئة بالسياسة والغموض. سؤال “هل قُتل مارون أم مات عبثاً؟” كان طعماً مغرياً لأي مخرج وثائقي. لكن نيقولا اختار الطريق الأصعب والأكثر شاعرية. لم يبهره الأرشيف السياسي، بل أغوته الأزمة الوجودية لثريا، وسؤال أعمق: ماذا يعني الغياب حقاً، حين يبقى الحاضرون أسرى الذكريات؟
تتجلى إجابة الفيلم في لقطة سينمائية صافية كالحلم. نرى ثريا تجلس في سيارة زوجها القديمة المكشوفة، التي نال منها الزمن كما نال منها. هي في المقعد المجاور للسائق، بينما مقعد السائق شاغر. لكنه ليس فارغاً تماماً. السيارة محمولة على شاحنة تجوب شوارع بيروت، ومع صوت ثريا وهي تقرأ سطوراً من رسائل مارون إليها، نشعر بحضوره يملأ الفراغ. كأنه هو من يقود، ليس السيارة، بل رحلتها عبر غيوم الذاكرة. هذه اللقطة هي روح الفيلم، وهي التي تمنح اللقاءات الطويلة عبر الإنترنت بين نيقولا في لبنان وثريا في باريس عمقها ومعناها. في مشهد آخر، تفرش ثريا أرشيف [مارون بغدادي](https://www.imdb.com/name/nm0046683/) الضخم أمام الكاميرا: أوراق، شرائط، صور، ودفاتر. كنز من القصص والأسرار. لكن الكاميرا لا تتطفل. يبدو أن خوري يقول لنا إن الأرشيف الحقيقي ليس في هذه الصناديق، بل في نبض قلب ثريا وما يعيشه مع مارون وبعده.
### العثور على الذات في الصدى
عنوان الفيلم نفسه، “ثريا حبي”، ليس اختيار المخرج، بل هو نداء مارون لها، الكلمات التي كان يفتتح بها رسائله. في البداية، اعترضت ثريا على العنوان، لكن مع نهاية الرحلة، يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك عنوان آخر. إنه إقرار بأن وجود مارون لم ينتهِ، بل تحول إلى ضمير متكلم يروي قصة حبهما الأبدية. لا يتبع الفيلم سرداً زمنياً تقليدياً، بل ينسج خطين متوازيين: الأول هو قصة علاقتهما منذ اللحظة التي اختارها بطلة لفيلمه، مروراً بزواجهما، وصولاً إلى خبر وفاته الصادم. أما الخط الثاني، فهو أكثر حرية وشعرية، يتنقل بين ذكريات متفرقة ولحظات من التجلي، حيث تبحث ثريا عن إجابات في الرقص واليوغا، أو في حوارها المستمر مع طيف زوجها الذي لم يغادرها قط.
يبدأ الفيلم برفض ثريا أن تذوب في ذكرى زوجها، وينتهي بها وهي تكتشف أنها لم تكن تذوب، بل كانت تتشكل من جديد داخل هذه الذكرى. في المشهد الأخير، تجلس ثريا في صالة سينما تشاهد الفيلم الذي أصبح جزءاً منها. عندما تضاء الأنوار، تنظر إلى الشاشة وكأنها ترى نفسها للمرة الأولى بوضوح تام. ثم نسمع صوت باب يفتح، وتنهض وهي تقول بدهشة صافية: “إنه أنت! يا لها من مفاجأة كبيرة!”. من هو القادم؟ هل هو مارون؟ أم هو السلام الداخلي الذي وجدته أخيراً؟ يتركنا نيقولا مع هذا السؤال، ليحرر الفيلم من حدوده الشخصية ويطلقه في فضاء التجربة الإنسانية الأوسع. لقد حوّل حكاية ثريا ومارون إلى مرآة نتساءل أمامها جميعاً: هل يغيب من نحب حقاً، أم أنهم يصبحون جزءاً من كياننا، يقودون سيارات ذاكرتنا في شوارع أيامنا إلى الأبد؟ إنها خطوة سينمائية واسعة، تؤكد أن نيقولا خوري لا يصنع أفلاماً، بل يكتب قصائد بصرية تفيض بالأسئلة الكبرى عن الحب والحياة. للمزيد من المعلومات حول المهرجان، يمكن زيارة [الموقع الرسمي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي](https://www.ciff.org.eg/).
