توفيق والبحث عن صدى: رحلة «آخر واحد» في عالم السينما
فيلم كريم الرحباني القصير يحصد الجوائز ويطرح أسئلة الوجود في زمن العزلة الرقمية.

توفيق، أرمل في الثمانينيات من عمره. يعيش في عالم هادئ، تغمره الذكريات. ثم يرن الهاتف. مكالمة واحدة تخبره برحيل صديق آخر، لتُضاف طبقة جديدة من الصمت على جدران منزله. في فيلم «آخر واحد»، يبني المخرج اللبناني كريم الرحباني عالماً بصرياً مكثفاً حول هذه الوحدة، حيث كل تفصيل صغير يحمل وزناً فلسفياً عميقاً.
فجأة، يُطرق الباب. ليست يد الموت هذه المرة، بل امرأة جميلة تقف على عتبته عن طريق الخطأ. هذا اللقاء العابر يوقظ في روح توفيق مشاعر ظن أنها دُفنت مع الماضي، ليتحول الفيلم إلى قصيدة سينمائية شاعرية عن البحث عن معنى للحياة في عالم يبدو أنه فقد دفئه الإنساني.
صدى في قلوب الجمهور
هذه الحكاية الإنسانية وجدت طريقها مؤخراً إلى قلوب الجمهور والنقاد معاً. في المهرجان الدولي للفيلم بجامعة نوتردام، حصد الفيلم جائزتين دفعة واحدة: أفضل فيلم لبناني، وجائزة الجمهور. هذا التكريم المزدوج يعكس قدرة الفيلم على مخاطبة العقل والقلب، وهو إنجاز نادر يجسد توازناً فنياً دقيقاً. عبر كريم الرحباني عن سعادته قائلاً: «أشعر بسعادة غامرة لرؤية هذا الفيلم يستمر في إيجاد طريقه إلى قلوب كل من لجان التحكيم والجمهور». اللحظة حملت بعداً شخصياً عميقاً، فقبل أحد عشر عاماً، فاز فيلمه الأول بجائزتين في المهرجان ذاته. «العودة إلى هنا بفيلم آخر يحظى بهذا التكريم تشعرني بإحساس جميل بإكمال الدائرة». لمسة إنسانية أخرى أضافت قيمة للحظة، حيث تسلّم والده وشريكه في الكتابة، غدي الرحباني، الجوائز في لبنان، ليكتمل المشهد الفني والعائلي.
رحلة عبر المهرجانات
لم تكن جوائز جامعة نوتردام سوى محطة في رحلة طويلة ومشرقة. انطلق الفيلم من عرضه العالمي الأول في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، ليجوب بعدها أهم المنصات السينمائية العالمية. حطّ رحاله في فرنسا، حيث شارك في مهرجان كليرمون فيران، أحد أعرق مهرجانات الأفلام القصيرة في العالم، ثم سافر إلى سويسرا للمشاركة في مهرجان فريبورغ، وإلى السويد في مالمو للسينما العربية. هذه الجولة الدولية الواسعة لم تكن مجرد عرض، بل كانت حواراً فنياً أثبت أن قصة توفيق تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة. فحصد الفيلم جائزة لجنة التحكيم في مهرجان وهران الدولي بالجزائر، وكرر الإنجاز في مهرجان البحرين السينمائي، مؤكداً أن ثيمات العزلة والبحث عن التواصل الإنساني هي لغة عالمية يفهمها الجميع.
حكاية في عشرين دقيقة
في عشرين دقيقة فقط، يقدم الفيلم حكاية مكثفة. بعد اللقاء العابر مع المرأة الغامضة، يقترح صديق توفيق الشاب عليه تجربة تطبيق مواعدة. هنا، يصطدم عالم توفيق التقليدي بعبثية الواقع الرقمي، حيث تتحول العلاقات الإنسانية إلى خوارزميات وصور عابرة. هذا الصدام بين الحقيقي والافتراضي هو جوهر التأثير الفلسفي للفيلم، الذي يطرح أسئلة وجودية حول طبيعة الاتصال في عصرنا. أداء الممثل عفيف مزيودي يجسد هذه الحيرة ببراعة، بينما ترسم عدسة المصورة راشيل نوجا ملامح الوحدة والأمل بلغة بصرية أنيقة. الفيلم، الذي أنتجته شركة Rahbani 3.0، ليس مجرد قصة، بل هو تأمل في معنى أن تكون «آخر واحد» في عالم يركض بسرعة نحو المجهول.








