توترات جيوسياسية تدفع أسعار النفط للارتفاع: هل تتجاوز ضغوط الفائض؟
مخاوف الإمدادات من فنزويلا وروسيا تعيد الزخم للسوق بعد فترة من التراجع

بعد فترة من الضغوط التي فرضتها توقعات فائض المعروض، وجدت أسعار النفط العالمية متنفساً صعودياً لليوم الثاني على التوالي، مدعومةً بتصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق رئيسية كفنزويلا وروسيا. فقد ارتفع خام برنت تسليم فبراير بنسبة 0.2% ليغلق عند 59.82 دولار للبرميل، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط حاجز 56 دولاراً للبرميل بارتفاع 0.4% يوم الخميس، قبل يوم من انتهاء عقد يناير، مع تسجيل عقد فبراير الأكثر نشاطاً مكاسب مماثلة.
تتزايد المخاوف بشأن استقرار إمدادات النفط العالمية، مع تصاعد الحديث عن احتمالية تدخل عسكري أميركي في فنزويلا، الدولة التي تزخر باحتياطيات نفطية ضخمة رغم أن إنتاجها الحالي لا يتجاوز 1% من الإجمالي العالمي.
وفي خطوة تصعيدية، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع توجيهات بفرض حصار على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات في الموانئ الفنزويلية. ورغم هذا الإجراء، ظل الغموض يلف الخطوات التالية لواشنطن، حيث أحجم ترمب عن توضيح تفاصيل إضافية خلال خطابه المتلفز.
على الجبهة الشرقية، تستعد واشنطن لفرض جولة جديدة من العقوبات تستهدف قطاع الطاقة الروسي، وذلك في خضم حربها المستمرة في أوكرانيا. يأتي هذا التحرك بالتزامن مع مباحثات مكثفة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين وكييف حول تقديم ضمانات أمنية حاسمة، بهدف تأمين صمود أي اتفاق سلام قد يلوح في الأفق.
في تحليل للوضع، يرى دينيس كيسلر، النائب الأول للرئيس للتداول في شركة “بي أو كيه فاينانشال سيكيوريتيز”، أن فشل جهود السلام قد يدفع نحو تصعيد الهجمات على روسيا، وهو ما قد يؤدي إلى تضييق سريع في إمدادات النفط العالمية. ويضيف كيسلر، في تعليق يعكس رؤية السوق، أن هذا السيناريو، إذا ما أُضيف إليه الحصار المحتمل على النفط الفنزويلي، قد يشير إلى أن أسعار الخام الحالية ربما تكون مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية. تأتي هذه التطورات في وقت يراقب فيه المحللون عن كثب تأثير العوامل الجيوسياسية على استقرار إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يمكن متابعته في تقارير متخصصة حول سوق النفط.
خسائر سنوية وتحديات السوق
رغم الارتفاعات الطفيفة الأخيرة، لا يزال المشهد العام لأسواق النفط يشير إلى اتجاه الخام نحو تسجيل أسوأ خسارة سنوية له منذ عام 2018، وهي حقيقة تعكس استمرار تجاوز الإمدادات العالمية لمستوى الطلب في السوق.
قبل أن تنجح التوترات الجيوسياسية في إحداث انتعاش طفيف، كانت العقود الآجلة للخام الأميركي القياسي قد لامست أدنى مستوياتها في أربعة أعوام خلال الفترة الماضية. وتؤكد هذه التقلبات ما أظهرته مؤشرات السوق عبر مناطق رئيسية، من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة، من إشارات واضحة على ضعف هيكلي في أساسيات العرض والطلب.
في فنزويلا، تتفاقم الأزمة اللوجستية، حيث تشير مصادر مطلعة إلى امتلاء مرافق تخزين النفط والناقلات في الموانئ بوتيرة سريعة. يثير هذا الوضع مخاوف جدية من اضطرار شركة “بتروليوس دي فنزويلا” الحكومية إلى إغلاق بعض الآبار في حال بلوغ هذه المرافق طاقتها القصوى، مما سيعمق من تراجع إنتاج البلاد.
وفي إشارة إلى تعقيدات المشهد المستقبلي، كشف تقرير لـ”بوليتيكو” أن شركات النفط أبلغت البيت الأبيض صراحةً بعدم وجود اهتمام لديها بالعودة إلى فنزويلا، حتى في حال مغادرة الرئيس نيكولاس مادورو السلطة، مما يلقي بظلاله على أي آمال في انتعاش سريع للقطاع.
ومع اقتراب عطلة عيد الميلاد الأسبوع المقبل، يتوقع أن يشهد النشاط في الأسواق تراجعاً ملحوظاً. هذا التوقيت الحرج يعني أن أي تحركات حادة قد تطرأ على أسعار النفط خلال الأيام القادمة ستكون عرضة للتضخيم، مما يرفع من مستوى التقلبات بشكل كبير.
وفي مؤشر آخر على ديناميكيات السوق، تراجعت العقود الآجلة لزيت التدفئة. ويأتي هذا التراجع في وقت سجل فيه إنتاج الديزل الأسبوعي على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على وقود المقطرات في التدفئة، أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2019، مما يعكس وفرة في هذا النوع من الوقود.









