تقرير دولي يفضح تحويل “المناطق الآمنة” إلى فخاخ للتهجير القسري في غزة
تحليل يكشف كيف استُخدمت أوامر الإخلاء الإسرائيلية كأداة لإعادة تشكيل ديموغرافية القطاع، في انتهاك مباشر للقانون الدولي الإنساني.

في تحول لافت لمسار القانون الدولي، تم استخدام بند قانوني مصمم لحماية المدنيين كغطاء لتهجيرهم القسري. هذا هو جوهر التقرير المرجعي الذي أصدرته الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد»، والذي يحلل كيف تم تحوير الاستثناءات الواردة في اتفاقيات جنيف لتصبح سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية لقطاع غزة.
التقرير، الذي يحمل عنوان «النزوح القسري نحو الجنوب»، يوثق بدقة الإجراءات الإسرائيلية منذ بدء العمليات العسكرية. لقد استهدفت الهجمات البنى التحتية والمناطق السكنية. وأدت إلى نزوح جماعي في ظروف إنسانية متدهورة.
أوامر الإخلاء: من الحماية إلى التهجير
تستند سلطات الاحتلال في تبريرها لأوامر الإخلاء على المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تسمح بإجلاء السكان مؤقتًا في حالات الضرورة العسكرية القصوى. لكن التقرير يجادل بأن هذا الاستثناء المحدود تم استغلاله ليصبح القاعدة، حيث تحولت الإجراءات المؤقتة إلى سياسة راسخة للنزوح الجماعي. إن الأصل في القانون الدولي هو حظر النقل الجبري، وأي إخلاء يجب أن يضمن سلامة السكان وعودتهم الفورية بعد زوال الخطر، وهو ما لم يحدث.

لقد تم إفراغ النص القانوني من مضمونه الإنساني، ليصبح أداة لتبرير عمليات ترقى إلى مستوى التطهير العرقي، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا لأسس النظام القانوني الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار مثل هذه المآسي.
تكتيكات مزدوجة على الأرض
يوثق التقرير نمطين من الإخلاء. الأول جزئي، يعتمد على اتصالات مباشرة أو صواريخ تحذيرية. هذه التحذيرات تمنح السكان دقائق معدودة للمغادرة. غالبًا ما يسقط مدنيون ضحايا أثناء محاولتهم الهرب. هذا الأسلوب، الذي يُقدَّم كإجراء إنساني، يُنفذ دون توفير ممرات آمنة، مما يحوله إلى وسيلة للترهيب النفسي وإضفاء شرعية شكلية على القصف اللاحق.
أما النمط الثاني، وهو الإخلاء الكلي، فقد مثل الأداة الأكثر خطورة. صدرت أوامر لأكثر من مليون شخص في شمال غزة بالتوجه جنوبًا. تم ذلك تحت تهديد القصف المباشر. استُهدفت قوافل النازحين أنفسهم أثناء انتقالهم، والمناطق التي وُجّهوا إليها تعرضت للقصف لاحقًا. التأثير لم يقتصر على تفكيك المنازل، بل امتد لتدمير فكرة وجود أي مكان آمن.
أدوات الحرب النفسية
لم تقتصر الوسائل على الأوامر العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل حربًا نفسية مدروسة. استخدمت الطائرات لإلقاء مئات الآلاف من المناشير الورقية. حملت هذه المناشير خرائط وعبارات تهديد صريحة. كانت تُلقى على مناطق محاصرة بالفعل، مما يجعل تنفيذ أوامرها مستحيلًا. وفي تطور لافت، تضمنت بعض المناشير صورًا لمطلوبين، في محاولة لدفع السكان للتعامل الأمني وتفكيك النسيج الاجتماعي من الداخل، في مخالفة صريحة للمادة (47) من اتفاقية لاهاي التي تجرّم مثل هذه الممارسات.
إن هذه الممارسات مجتمعة، من الإخلاء بالإكراه إلى الدعاية القسرية، تشكل انتهاكًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر بشكل قاطع النقل القسري للسكان. ويخلص تقرير «حشد» إلى أن هذه الإجراءات لم تكن ردود فعل عسكرية عشوائية، بل جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى تفريغ الأرض وإعادة رسم ديموغرافية القطاع بالقوة.
وفي ضوء هذه النتائج، تدعو الهيئة المجتمع الدولي إلى تجاوز البيانات الشكلية واتخاذ إجراءات ملزمة لمحاسبة المسؤولين، وضمان حماية المدنيين، وتأكيد حق العائلات النازحة في العودة إلى ديارها، ورفض أي محاولة لفرض واقع جديد على الأرض.









