تقدير التكلفة الحقيقية لأنظمة الطاقة الشمسية المدعومة بالبطاريات والاحتياطي
تحديات الأمتار الأخيرة: الكلفة الحقيقية لضمان الطاقة المتجددة

بينما يتسارع السباق نحو تحقيق اكتفاء ذاتي من الطاقة المتجددة، تبرز تحديات دقيقة ومعقدة في الأمتار الأخيرة من هذا المسعى الطموح. فالتأمين الكامل للاحتياجات الكهربائية، خاصة تلك النِسَب المئوية القليلة المتبقية بعد الاعتماد شبه الكلي على الشمس والرياح، غالباً ما يحمل معه كلفة إضافية قد لا تكون واضحة للعيان. في هذا السياق، تكشف نماذج تحليلية معمقة عن طبيعة هذه الكلفة المتغيرة، وكيف تتأثر بعوامل متعددة تبدأ من التقنيات المستخدمة وصولاً إلى التوزيع الجغرافي والكثافة السكانية.
تعتمد هذه النماذج، في جوهرها، على مجموعة واسعة من الافتراضات الفنية المستقاة بشكل أساسي من قاعدة بيانات الوكالة الدنماركية للطاقة، والتي تشكل مرجعاً موثوقاً في هذا المجال، ولم تقتصر هذه الافتراضات على الجوانب العامة، بل تعمقت في تفاصيل تقنية دقيقة. على سبيل المثال، جرى تضمين التكاليف الإضافية للطاقة الخاصة ببطاريات الليثيوم أيون، إلى جانب كلفة المحولات (Inverter) التي قُدّرت بحوالي 177 يورو لكل كيلوواط في عام 2030، وتنخفض إلى 66 يورو لكل كيلوواط بحلول عام 2050. وتعمل بطاريات الليثيوم أيون بكفاءة دورة ذهاب وإياب تبلغ 96%، وهو رقم يعكس تطوراً كبيراً في قدرات التخزين.
يستند النموذج التحليلي المستخدم هنا إلى منصة “model.energy”، لكن مع استبعاد نظام تخزين الهيدروجين، وذلك لتركيز التحليل على منظومة الشمس والبطاريات بشكل أساسي. وتُجرى عملية التحسين الأولية للنموذج بافتراض توفر قدرة احتياطية مجانية لتغطية النِسَب النهائية من الطلب، والتي حُددت بنحو 10%، ثم 5%، وصولاً إلى 1%. بعد ذلك، تُضاف التكاليف الفعلية لهذه القدرة الاحتياطية فوق التقديرات الأولية، وهي منهجية تتيح مرونة كبيرة للمستخدم في تقييم السيناريوهات المختلفة، خاصة وأن تكاليف الاستثمار أو الوقود للأنظمة الاحتياطية تُعد من أكثر الجوانب التي يكتنفها الغموض. ولمن يرغب في استكشاف هذه النتائج أو إعادة إنتاجها على منصة “model.energy”، يمكن ضبط الإعدادات باختيار الموقع الجغرافي المطلوب في “الخطوة الأولى”، ثم تعطيل تقنيات الرياح وتخزين الهيدروجين في “الخطوة الثالثة”. وفي الإعدادات المتقدمة، يجب تفعيل خيار “التقنية القابلة للتصريف 1” وتصفير كل من تكلفتها الأولية وتكلفتها الهامشية. ولتحديد نسبة تغطية معينة للطلب من منظومة الشمس والبطاريات (أي تحديد نسبة “x” للقدرة الاحتياطية)، يُمكن استخدام عامل انبعاثات وهمي قدره 100 غرام من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة للقدرة الاحتياطية، ثم تفعيل حد الانبعاثات الكلي وتعيينه على “x” غرام من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة. يُستخدم هذا الحد كبديل غير مباشر لقياس استهلاك الوقود الكلي للقدرة الاحتياطية.
بمجرد الحصول على نتائج التحسين، يمكن إضافة تكاليف القدرة الاحتياطية بشكل منفصل. فعلى سبيل المثال، إذا بلغت كلفة نظام الشمس والبطاريات وحده 50 يورو لكل ميغاواط ساعة لتغطية (100-x)% من الطلب، حيث تمثل “x” نسبة 10% أو 5% أو 1%، تُضاف التكلفة للقدرة الاحتياطية لكل يورو لكل ميغاواط ساعة وفقاً للمعادلة التالية (مع افتراض سعة احتياطية كافية لتغطية كامل الحمل):
كلفة الاستثمار * (عامل الأقساط السنوية + تكاليف التشغيل والصيانة الثابتة) / 8760 + كلفة الوقود * x / الكفاءة.
بتطبيق هذه المعادلة على الافتراضات الافتراضية، مثل كلفة استثمار احتياطي تبلغ مليون يورو لكل ميغاواط، وعمر افتراضي 25 عاماً، وتكلفة رأس مال 5%، وتكاليف تشغيل وصيانة سنوية 3%، وكلفة وقود 30 يورو لكل ميغاواط ساعة حرارية، وكفاءة 50%، فإن المساهمة الكلية للقدرة الاحتياطية ستكون (11.5 + 0.6x) يورو لكل ميغاواط ساعة. هذا يعني أنه لنسبة تغطية احتياطية “x” تعادل 10%، مع الإعدادات الأصلية، تبلغ مساهمة الاحتياطي الإجمالية حوالي 17.5 يورو لكل ميغاواط ساعة. ومن المثير للاهتمام أن نرى كيف تتغير هذه الأرقام؛ فلو ارتفعت كلفة الاستثمار الاحتياطي إلى مليوني يورو لكل ميغاواط، فإن الجزء الثابت من الكلفة يرتفع من 11.5 يورو لكل ميغاواط ساعة إلى 23 يورو لكل ميغاواط ساعة. وبالمثل، إذا زادت كلفة الوقود من 30 إلى 50 يورو لكل ميغاواط ساعة، فإن مساهمة الاحتياطي ترتفع إلى (11.5 + x) أي 21.5 يورو لكل ميغاواط ساعة.
تُظهر هذه الحسابات أن حساسية التكلفة الكلية لتغيرات أسعار الوقود مرتبطة بشكل مباشر بـ “x”، أي النسبة المئوية من الطلب التي تغطيها القدرة الاحتياطية. فكلما زاد الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، انخفضت قيمة “x”، وبالتالي قلّ الاعتماد على الوقود التقليدي. ولتوضيح الصورة أكثر، فإن تزويد الطلب بالكامل بهذه الافتراضات ومع كلفة وقود قدرها 30 يورو لكل ميغاواط ساعة حرارية سيكلف (11.5 + 60) أي 71.5 يورو لكل ميغاواط ساعة، وهذا أغلى في معظم المواقع من نظام الشمس والبطاريات المدعوم بالوقود. لكن يجب الانتباه إلى أن كلفة وقود الاحتياطي ستختلف بشكل كبير حسب الموقع الجغرافي ومدى توفره. فإذا ارتفعت هذه الكلفة إلى 60 يورو لكل ميغاواط ساعة حرارية، فإن تكاليف النظام الكامل قد تصل إلى (11.5 + 120) أي 131.5 يورو لكل ميغاواط ساعة، وهو ما يضع عبئاً مالياً كبيراً.
لقد جرى تنفيذ هذه الحسابات على 9196 بكسل (1 درجة × 1 درجة) تغطي مناطق يسكنها أكثر من 10 آلاف شخص، وهي مساحة كافية لتمثيل 99.86% من سكان العالم، مما يمنح الدراسة بعداً عالمياً شاملاً. وتكشف البيانات أن نحو 90% من سكان العالم يعيشون ضمن 45 درجة من خط الاستواء، وهي منطقة تتمتع غالباً بظروف شمسية مواتية، وهذا ليس محض صدفة. تُظهر الرسوم البيانية للنموذج عوامل القدرة (متوسط الإنتاج مقسوماً على السعة) للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في المواقع التي جرى فيها بناء هذه الأنظمة ضمن النمذجة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الإعداد يشابه إلى حد ما تقريراً صادراً عن “إمبر” عام 2025، لكن مع اختلاف جوهري: فبينما ركز تقرير “إمبر” على تثبيت قدرات الطاقة الشمسية والبطاريات نسبة إلى طلب ثابت وتغيير الموقع، قام النموذج الحالي بتثبيت نسبة الحمل الموفرة وتحسين قدرات الطاقة الشمسية والبطاريات بدلاً من ذلك، مما يوفر زاوية تحليلية مختلفة. كما سبق أن أشارت دراسة “فيكتوريا وآخرون، 2021” إلى التزامن المثير للاهتمام بين انخفاض التباين الموسمي للطاقة الشمسية والمواقع التي يعيش فيها غالبية السكان، وهو ما يُبرزه رسم بياني توضيحي ضمن بحثهم، مؤكداً على أهمية العوامل الجغرافية في تحديد جدوى مشاريع الطاقة المتجددة.









