عرب وعالم

تطلعات أمريكية للاستثمار في روسيا تصطدم بواقع اقتصادي وسياسي معقد

خبراء يشككون في جاذبية السوق الروسية رغم آمال رجال أعمال أمريكيين

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

في ظل تطلعات بعض رجال الأعمال الأمريكيين لإيجاد حل للنزاع الروسي الأوكراني، وتصريحاتهم المتفائلة بشأن فرص الاستثمار، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن تشكك واسع النطاق بين الخبراء حول مدى استعداد موسكو لمكافأة هذه الاستثمارات كما يأمل البعض.

ويذهب مستشار الرئيس الأمريكي ورجل الأعمال ستيف ويتكوف، بالإضافة إلى جاريد كوشنر صهر الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى أن روسيا تزخر بالموارد الطبيعية وتقدم فرصًا واعدة للأعمال. ويتوقع الاثنان أن دمج روسيا مجددًا في الاقتصاد العالمي لن يعود بالنفع على المستثمرين الأمريكيين فحسب، بل سيساهم أيضًا في إرساء الاستقرار في علاقات موسكو مع كل من أوكرانيا وأوروبا.

لكن هذه الرؤى المتفائلة لا تلقى قبولًا واسعًا، إذ يعرب العديد من الخبراء، بمن فيهم من قضوا عقودًا في العيش والعمل بروسيا، عن شكوكهم العميقة في قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات الأمريكية فور رفع العقوبات.

وأشارت «وول ستريت جورنال» إلى أن الاقتصاد الروسي، الذي يبلغ حجمه 2.5 تريليون دولار ويماثل اقتصاد إيطاليا، يواجه تحديات هيكلية متعددة. ويلفت الخبراء النظر إلى ضعف النمو الاقتصادي على المدى الطويل، وتراجع احتياطيات النفط سهلة الاستخراج، بالإضافة إلى تناقص أعداد السكان. كما يعتمد الاقتصاد الروسي بشكل كبير على صادرات الطاقة، ويفتقر إلى محركات نمو قوية في قطاعات أخرى.

من جانبه، أكد تشارلز هيكر، محلل المخاطر الجيوسياسية الذي قضى أربعة عقود في روسيا والاتحاد السوفيتي، أن البلاد ليست “جنة الفرص” كما يتصور البعض، مشيرًا إلى أن العوائد الاستثمارية الحقيقية أقل مما يعتقد. ويرى هيكر أن التوصل إلى تسوية في أوكرانيا لن ينهي العداء الروسي المستمر تجاه الغرب، مما يسهم في خلق بيئة أعمال محفوفة بالمخاطر الجيوسياسية الدائمة وغير المستقرة.

وفي السياق ذاته، استبعد مايكل كالفاي، رئيس شركة بارنج فينشرز والمتخصص في الاستثمارات الخاصة، تدفق استثمارات ضخمة إلى روسيا في المدى القريب. ولفت كالفاي الانتباه إلى تزايد عمليات التأميم في روسيا مؤخرًا، حيث جرت مصادرة أصول لمستثمرين محليين ودوليين وتحويلها إلى رجال أعمال مقربين من الكرملين. وتفيد التقارير بأن قيمة الأصول التي صادرتها روسيا بلغت نحو 49 مليار دولار بحلول صيف عام 2023.

وفي حال رفع العقوبات، يرى البعض إمكانية عودة الشركات لتسويق منتجاتها في السوق الروسية، لكنها ستواجه منافسة شرسة من الواردات الصينية التي أحكمت قبضتها على قطاعات واسعة من الأسواق الروسية. ورغم أن رفع العقوبات قد يفتح آفاقًا أمام بعض الشركات الغربية، إلا أن خطر فرض عقوبات جديدة يظل قائمًا في حال تجدد الصراع أو التصعيد العسكري في أوكرانيا.

وقد اختبر بعض المستثمرين الأمريكيين، ومنهم كالفاي نفسه، المخاطر الشخصية الجسيمة المرتبطة بممارسة الأعمال في روسيا. ففي عام 2019، تعرض كالفاي للاعتقال في روسيا إثر نزاع تجاري مع مستثمرين مقربين من الكرملين، مما دفعه إلى مغادرة البلاد بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا.

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال البعض يرى فرصًا اقتصادية واعدة في روسيا، لاسيما في قطاعات الطاقة، حيث تزخر البلاد بموارد هائلة من الغاز والنفط، خاصة في مناطقها الشمالية والشرقية. بيد أن الاحتياطيات سهلة الاستخراج في غرب سيبيريا شهدت تراجعًا مستمرًا، مما يدفع الشركات نحو البحث عن مصادر طاقة أكثر تعقيدًا وتكلفة.

وفي المقابل، يرى فريق آخر أن روسيا لا تزال تمتلك فرصًا استثمارية كبيرة في صناعات مثل التعدين وقطاع الطاقة، لكن هذه الفرص تتطلب استثمارات طويلة الأجل وإجراءات مالية معقدة.

وعلى الرغم من تطلعات رجال الأعمال الأمريكيين لتعزيز الروابط الاقتصادية مع روسيا وإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي، يبقى المشهد الاستثماري في روسيا معقدًا ومحفوفًا بالتحديات. فالعديد من المستثمرين يواجهون بيئة اقتصادية وسياسية صعبة، في ظل سعي الحكومة الروسية لتعزيز سيطرتها على الاقتصاد المحلي عبر عمليات التأميم والمصادرة. وتظل الأوضاع في أوكرانيا، إلى جانب العقوبات الغربية والتوترات السياسية مع الغرب، عوامل محورية تؤثر بشكل مباشر في قرارات الاستثمار المستقبلية داخل روسيا.

مقالات ذات صلة