اقتصاد

تركيا تعيد رسم خريطة الطاقة: من شراء الغاز الأمريكي إلى امتلاك آباره

تحليل معمق للتحول الاستراتيجي لأنقرة نحو الاستثمار المباشر في قطاع الطاقة الأمريكي وتداعياته الجيوسياسية.

في غضون أشهر قليلة من عام 2024، تجاوزت واردات تركيا من الغاز الطبيعي المسال إجمالي ما استوردته طوال عام 2023، وهو ما لا يمثل مجرد زيادة كمية، بل يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في بنية أمن الطاقة التركي. هذا التحول يتجاوز الآن عقود الشراء طويلة الأجل ليدخل مرحلة جديدة أكثر جرأة، حيث تسعى أنقرة إلى امتلاك حصص في أصول الإنتاج الأمريكية نفسها، محولةً دورها من مجرد مستهلك إلى شريك في المنبع.

من مستهلك إلى مستثمر

إن المحادثات التي تجريها شركة “تركيش بتروليوم” مع عمالقة مثل “شيفرون” و”إكسون موبيل” لا تهدف إلى تأمين إمدادات إضافية، بل إلى تأمين السيطرة على جزء من سلسلة القيمة، وهو ما يوفر تحوطاً طبيعياً ضد تقلبات الأسعار ويمنح نفوذاً أكبر في سوق الطاقة العالمي. فبعد أن كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي والإيراني المنقول عبر خطوط أنابيب ثابتة، والذي أصبح أقل تنافسية من الناحية الاقتصادية ومحفوفاً بالمخاطر الجيوسياسية، وجدت تركيا في الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بديلاً مرناً وموثوقاً. لقد أرست الاتفاقيات التي أبرمتها منذ أواخر عام 2023، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية 150 مليار متر مكعب، الأساس لهذا التوجه، لكن الاستثمار المباشر في الأصول يمثل قفزة نوعية نحو تحقيق استقلالية أكبر في مجال الطاقة. خطوة جريئة، بلا شك.

أبعاد جيوسياسية جديدة

هذا التحرك الاقتصادي يحمل في طياته أبعاداً جيوسياسية لا يمكن إغفالها، فهو يعمق بشكل كبير التشابك الاقتصادي مع الولايات المتحدة، حليفها في الناتو، مما قد يساهم في تلطيف العلاقات التي شهدت توترات في السنوات الأخيرة. في المقابل، يمثل هذا التوجه رسالة واضحة مفادها أن تركيا تعمل بجدية على تقليص اعتمادها الاستراتيجي على موسكو، حتى لو استمرت واردات الغاز الروسي. إن تنويع المصادر بعيداً عن روسيا وأذربيجان لا يخدم فقط اقتصادها البالغ 1.4 تريليون دولار، بل يعزز أيضاً من مكانة أنقرة كلاعب إقليمي قادر على بناء تحالفات طاقة مستقلة. لكن هل يمثل هذا التحول مجرد صفقة تجارية أم أنه جزء من إعادة تموضع جيوسياسي أوسع نطاقاً؟

بنية تحتية تواكب الطموح

لم تكن هذه الطموحات لتتحقق دون بنية تحتية قادرة على استيعابها، وهو ما يفسر خطط تركيا لزيادة عدد وحداتها العائمة للتخزين وإعادة التحويل إلى غاز من ثلاث إلى خمس وحدات. هذه الزيادة في السعة لا تهدف فقط لتلبية الطلب المحلي المتزايد، بل لتحويل تركيا إلى مركز إقليمي لتجارة وتوزيع الغاز. ويتجلى هذا الطموح في خطط إرسال إحدى هذه الوحدات إلى مصر خلال الصيف، والمحادثات مع المغرب، بالإضافة إلى إمكانية مضاعفة سعة التصدير إلى بلغاريا لتصل إلى 10 مليارات متر مكعب سنوياً. إن توقع استقبال 1500 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال العقد القادم، معظمها مرتبط بأسعار مركز “هنري هَب” الأمريكي، يؤكد أن هذا التحول ليس مؤقتاً، بل هو إعادة هيكلة طويلة الأمد لسياسة الطاقة التركية بأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *