ترامب يتحدى الأمم المتحدة: “مجلس السلام” بديل محتمل للحوكمة العالمية

ترامب يقترح 'مجلس السلام' كبديل للأمم المتحدة، مثيرًا جدلاً حول مستقبل التعددية الدولية.

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

في تحدٍ غير مسبوق للمنظمة الدولية، ألمح دونالد ترامب إلى أن “مجلس السلام” الخاص به “قد يحل محل” الأمم المتحدة مجلس تتخذ من نيويورك مقرًا لها. لطالما شكك ترامب في قيمة المنظمة العالمية على مر السنين، إلا أن تصريحاته الأخيرة جاءت خلال مؤتمر صحفي استمر قرابة ساعتين، استعرض خلاله قائمة “إنجازاته” في السياسة الخارجية، مشددًا على أنه “لم يفكر قط” في اللجوء إلى الأمم المتحدة لحل نزاعاته الرئيسية. يحمل هذا الموقف رسالتين واضحتين: الأولى هي نزع الشرعية عن النظام متعدد الأطراف الذي يراه بطيئًا وغير فعال، والثانية هي تقديم هيكله المخصص كأداة أكثر مرونة وهرمية وتوافقًا مع مصالح واشنطن.

وعلى الرغم من أن ترامب يوضح علنًا أنه “يجب السماح للأمم المتحدة بالاستمرار” لأن “إمكاناتها هائلة”، إلا أن التصميم الفعلي لمجلس السلام يشير إلى توجه مختلف تمامًا. إنه يهدف إلى إنشاء هيئة موازية تركز القوة السياسية والعسكرية والمالية في أيدي مجموعة صغيرة من الحلفاء. يتجلى التباين واضحًا مع منطق التوازنات وحق النقض والضوابط والموازين المعمول بها في مجلس الأمن. فما بدأ كآلية مؤقتة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، يتخذ الآن شكل مشروع بديل للحوكمة العالمية.

هيئة ولدت في غزة بطموح عالمي

تأسس مجلس السلام في عام 2025 كجزء من خطة مكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة وإعادة إعمار القطاع، وقد وافق عليها مجلس الأمن بموجب القرار 2803. منح النص الهيئة شخصية قانونية دولية وولاية محددة: الإشراف على الإدارة المؤقتة، وتنسيق جهود إعادة الإعمار، وتوجيه أموال المانحين. نظريًا، كانت هذه الهيئة بمثابة هيكل لتحقيق الاستقرار الإقليمي، شبيه بالبعثات السابقة في كوسوفو أو تيمور الشرقية، لكن مع بصمة أمريكية أكثر وضوحًا.

لكن في غضون شهرين فقط، بدأت ولاية هذا المجلس تتوسع. فقد طرحت واشنطن بالفعل فكرة أن المجلس يمكنه معالجة “نقاط ساخنة” أخرى مثل أوكرانيا وفنزويلا، ممهدًا الطريق ليصبح منتدى لحل النزاعات خارج إطار الأمم المتحدة – أو حتى فوقها. يصف ترامب نفسه هذا المجلس بأنه “نهج جريء جديد” لإدارة الأزمات وحشد رؤوس الأموال على نطاق واسع، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في أي مكان تتضافر فيه الحرب وإعادة الإعمار وفرص الأعمال.

يثير هذا التحول في المهمة، من غزة إلى العالم، قلق الدبلوماسيين والخبراء الذين يرون كيف يتحول هيكل يُفترض أنه مؤقت، بحكم الأمر الواقع، إلى نواة لمنظمة دولية موازية.

اشتراكات بمليارات الدولارات وسلطة مركزة

بينما بُني النموذج المؤسسي للأمم المتحدة على أساس الحصص النسبية والمساواة في التصويت لكل دولة في الجمعية العامة، فإن مجلس السلام يُعرف بمنطق مختلف: “ادفع لتلعب”. ينص مشروع النظام الأساسي الذي أُرسل إلى حوالي 60 عاصمة على أنه، للاستمتاع بمقعد دائم لأكثر من ثلاث سنوات، يجب على الدول المساهمة بمليار دولار نقدًا. في المقابل، ستكون العضوية المؤقتة مجانية ولكنها دورية، مما يعزز نواة صلبة من كبار المساهمين.

سيرأس ترامب الهيئة مدى الحياة، وسيمتلك صلاحية تعيين أعضائها وعزلهم، بالإضافة إلى التأثير المباشر على جدول أعمالها. هذا المخطط لا يجد له مثيلًا في نظام الأمم المتحدة، حيث يُنتخب الأمين العام من قبل الجمعية العامة بناءً على اقتراح من مجلس الأمن. تضم الهيئة التنفيذية التأسيسية وزير الخارجية ماركو روبيو، ورجل الأعمال والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وصهره جاريد كوشنر، مما يعزز كوكبة من الشخصيات الموثوقة للرئيس.

وصفته وسيلة إعلام بريطانية مؤثرة بأنه “محكمة إمبراطورية تتمحور حول ترامب”، مشككة في غياب الضوابط والتوازنات، وفي الارتباط بين المال والنفوذ السياسي والقدرة على اتخاذ القرار. التشخيص واضح: تصميم الحوكمة هذا يركز السلطة ويضعف المفهوم الكلاسيكي للتمثيل بين الدول.

ردود الفعل الأوروبية: حذر وتوجس وبعض التأييد

أرسلت الحملة الدبلوماسية للبيت الأبيض دعوات إلى حوالي 60 دولة، مع إعطاء الأولوية للحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. لكن الاستجابة لم تكن حماسية. فقد أعلنت المجر صراحةً عن انضمامها للمشروع، بينما أكد المغرب التزامه ويستكشف الدور الذي يمكن أن يلعبه المجلس في منطقة المغرب العربي. في المقابل، تفضل حكومات أخرى الصمت العلني والتحفظات الخاصة.

اتهم وزير الخارجية البلجيكي ترامب علنًا بمحاولة “حلول محل الأمم المتحدة”، وهو ما يعكس استياءً مشتركًا في العديد من العواصم الأوروبية، بما في ذلك باريس وبرلين. التوافق واضح: إذا تحول مجلس السلام من آلية مخصصة لغزة إلى منتدى عام، فإن الضرر الذي سيلحق بشرعية الأمم المتحدة سيكون من الصعب تداركه.

وفي الوقت نفسه، تدرك العواصم التي تشكك في المشروع أن البقاء خارجه قد يعني فقدان النفوذ في القرارات الاستراتيجية وفي تخصيص مليارات الدولارات لعقود إعادة الإعمار. هذا المأزق – بين المشاركة وإضفاء الشرعية، أو الغياب والتنازل عن الأرض – يفسر الحذر الشديد الذي يتم به تقييم كل خطوة.

مخاطر تهدد التعددية والقانون الدولي

يثير التعايش بين الأمم المتحدة ومجلس سلام ذي طموح عالمي تساؤلات جوهرية. ماذا يحدث إذا أصدرت الهيئتان قرارات متناقضة بشأن نفس النزاع؟ وأيهما يسود عندما تتضارب الولايات على الأرض؟ يرى العديد من القانونيين أن إنشاء هيئة موازية لديها القدرة على نشر القوات وإدارة الأراضي يفتح منطقة رمادية في القانون الدولي.

لا يقتصر الخطر على الجانب القانوني فحسب، بل يمتد إلى الجانب العملي. فالخبرة في غزة تبعث على القلق بالفعل: فبالرغم من وقف إطلاق النار المتفق عليه، قُتل أكثر من 460 فلسطينيًا – بينهم 100 طفل على الأقل – وثلاثة جنود إسرائيليين منذ دخوله حيز التنفيذ، وفقًا لأرقام نقلتها الإدارة الأمريكية نفسها. النتيجة واضحة: هيئة وُلدت كضامن للسلام تبدأ مسيرتها بإدارة اتفاق هش، مع استمرار العنف وغياب وجود قوي للأمم المتحدة على الأرض.

علاوة على ذلك، فإن المشاركة الفلسطينية شبه المعدومة في هياكل صنع القرار بالمجلس، ومعارضة جزء من الحكومة الإسرائيلية لبعض الأسماء المقترحة للسلطة التنفيذية، تغذي التصور بأن الأولوية ليست إعادة الإعمار المستدامة بقدر ما هي السيطرة السياسية على القطاع.

المقارنة التاريخية: من عصبة الأمم إلى ساحة ترامب

إن إغراء إنشاء هياكل موازية للنظام القائم ليس جديدًا. فبعد الحرب العالمية الأولى، فشلت عصبة الأمم في منع صعود القوى التعديلية، وكانت النتيجة الحرب العالمية الثانية، ثم تأسيس الأمم المتحدة نفسها. اليوم، تذكر خطوة ترامب، مع الأخذ في الاعتبار الفروقات، بلحظة الانفصال تلك: قوة عظمى تشكك في فعالية النظام وتقترح ناديًا بديلًا، أصغر حجمًا ومصممًا على مقاسها.

لكن التباين مع مناطق أخرى يكشف عن مفارقة صارخة. فبينما استثمر الاتحاد الأوروبي عقودًا في تعزيز المنتديات متعددة الأطراف – من مجموعة العشرين إلى منظمة التجارة العالمية – تستكشف واشنطن مسارًا أكثر فردية بكثير، يتركز حول شخصية الرئيس ودائرة محدودة من الحلفاء. فبدلاً من إصلاح آليات حق النقض في مجلس الأمن أو مراجعة نظام تمويل الأمم المتحدة، يراهن ترامب على بناء هيئة يكون حجر الزاوية فيها قيادته والمساهمة المالية لمن يرغبون في مقعد تفضيلي.

إن السابقة التي يتم إرساؤها حساسة: فإذا قررت قوة عظمى أخرى غدًا ترويج “مجلس أمن بديل” وفقًا لقواعدها الخاصة، فستكون النتيجة تفتيتًا أكبر للمشهد الدولي.

Exit mobile version