ليست مجرد ورقة اتهام تُتلى في قاعة باردة بمانهاتن؛ ما يحدث مع دونالد ترامب الآن هو صراع على “الصورة الذهنية” قبل أن يكون صراعاً قانونياً. فبينما يستعد الرئيس السابق للمثول أمام المحكمة، يخوض فريق دفاعه معركة استثنائية لمنع دخول عدسات الكاميرات إلى القاعة. الخبر هنا ليس في التهم، بل في تلك اللحظة التي قد يراها الملايين: ترامب في قفص الاتهام. هي صورة يدرك الجميع أنها قد تُنهي مستقبلاً سياسياً أو تشعل ثورة غضب بين أنصاره.
المثير في الأمر أن مكتب المدعي العام في مانهاتن اختار “المراوغة” بذكاء. لم يعترض صراحة على التغطية الإعلامية، لكنه ألقى بالكرة كاملة في ملعب القاضي. الادعاء يدرك جيداً أن أي هفوة إجرائية أو منح ترامب فرصة لادعاء “المظلومية الإعلامية” قد يقلب الطاولة، لذا كان ردهم دبلوماسياً حذراً، يترك للقاضي وحده تقدير موازنة حقوق المتهم مع حق الجمهور في المعرفة.
تود بلانش، المحامي الذي انضم مؤخراً لكتيبة دفاع ترامب، لم يتجمل في وصف مخاوفه؛ فقد وصف المشهد المرتقب بـ “السيرك”. وبصراحة، الدفاع لديه حجة قوية هنا تتعلق بالأمن واللوجستيات؛ فدخول عناصر “الخدمة السرية” لتأمين رئيس سابق في قاعة تعج بالكاميرات والأسلاك هو كابوس أمني حقيقي. الدفاع يرى أن البث المباشر سيحول الوقار القضائي إلى عرض تليفزيوني، وهو ما يضرب مبدأ “البراءة المفترضة” في مقتل قبل أن يبدأ المحامون في الحديث.
لكن التاريخ يقول إن ولاية نيويورك ليست “كريمة” عادةً مع الكاميرات. فبموجب المادة 52 من قانون الحقوق المدنية في نيويورك، هناك قيود صارمة تاريخياً على التصوير داخل المحاكم، وهو ما يجعل المهمة صعبة على وسائل إعلام كبرى مثل CNN وغيرها ممن يضغطون لتوثيق هذه اللحظة. القاضي خوان ميرشان، الذي يترأس الجلسة، لديه سوابق في هذا الشأن؛ ففي قضية ألين وايسلبيرغ (الرجل المالي لترامب)، سمح بلقطات خاطفة قبل الجلسة فقط، وهو السيناريو الأقرب للتكرار غداً الثلاثاء.
لماذا يستميت ترامب لمنع الكاميرات؟ ببساطة، لأن الرجل الذي صنع مجده من الشاشة يخشى أن تخونه الكاميرا هذه المرة. هو يريد أن يسيطر على الرواية من خلال تصريحاته في الممرات، لا أن يظهر في كادر سينمائي يضعه في موقف الضعف. وبالمقابل، ترى المؤسسات الصحفية أن هذه اللحظة ملك للتاريخ، ولا يجوز أن تتم خلف أبواب مغلقة تماماً.
القرار الآن بيد ميرشان. وببساطة، هو من سيقرر هل سنرى ترامب “المتهم” وجهاً لوجه، أم سنكتفي برسومات فنانين وتصريحات مقتضبة من خارج القاعة. المؤكد أن ما سيحدث داخل الغرفة رقم 15 سيغير وجه السياسة الأمريكية لسنوات قادمة، سواء نُقل بالصوت والصورة أو ظل حبيس الجدران.
