تراجع المستهلك الياباني: إشارة حمراء في وجه طموحات بنك اليابان لرفع الفائدة
الانخفاض المفاجئ في الإنفاق الأسري بنسبة 3% يعقّد مسار البنك المركزي نحو تطبيع السياسة النقدية، ويضع الانتعاش الاقتصادي برمته على المحك.

في الوقت الذي كانت فيه التوقعات تشير إلى نمو بنسبة 1%، سجل إنفاق الأسر اليابانية انكماشاً بنسبة 3% على أساس سنوي في أكتوبر، وهو أول تراجع له منذ ستة أشهر، مما يرسم صورة قاتمة للطلب المحلي قبل أيام من اجتماع بنك اليابان الذي قد يشهد أول رفع لأسعار الفائدة منذ سنوات. هذا التباين الحاد بين التوقعات والواقع لا يمثل مجرد رقم، بل هو مؤشر ملموس على أن المستهلك، الذي يشكل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، بدأ يفقد قدرته على الصمود في وجه التضخم المستمر.
تآكل القوة الشرائية
يأتي هذا التراجع في الإنفاق، الذي تركز بشكل أساسي في قطاعي النقل والإسكان، كنتيجة مباشرة لتآكل الأجور الحقيقية، حيث استقر مقياس التضخم عند 2% أو أعلى لمدة 43 شهراً متتالياً، وهي أطول فترة منذ عام 1992. وعلى الرغم من أن الاستهلاك الخاص سجل نمواً طفيفاً لثلاثة فصول متتالية، إلا أن هذا النمو الهش لم يكن كافياً لمنع الاقتصاد من الانكماش في الربع الثالث من العام، مما يثبت أن زيادات الأجور الاسمية التي تحققت حتى الآن تتبخر فعلياً بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة. من المتوقع أن تؤكد البيانات المعدلة للناتج المحلي الإجمالي، المقرر صدورها قريباً، هذا الضعف الهيكلي، مع احتمالية خفض تقديرات الإنفاق الرأسمالي أيضاً.
معضلة بنك اليابان
يضع هذا الواقع بنك اليابان أمام معضلة حقيقية، فمحافظ البنك، كازو أويدا، أرسل إشارات واضحة بأن صناع السياسة النقدية يتجهون نحو إنهاء عصر الفائدة السلبية، وهو ما تسعّره الأسواق المالية باحتمالية تقارب 90% لحدوثه في اجتماع 19 ديسمبر. منطق رفع الفائدة يكمن في دعم الين الضعيف الذي يفاقم التضخم المستورد، لكن القيام بذلك في ظل طلب محلي يترنح قد يؤدي إلى خنق الانتعاش الاقتصادي الوليد. إنها مفارقة صعبة: هل يعالج البنك أعراض المرض (ضعف الين) على حساب صحة المريض (الاقتصاد)؟
رهان الأجور والحوافز الحكومية
في محاولة لتخفيف العبء عن الأسر، أعلنت حكومة رئيس الوزراء فوميو كيشيدا، التي تعاني من تدهور شعبيتها بسبب السخط العام من التضخم، عن حزمة دعم بقيمة 2.9 تريليون ين. لكن الحل المستدام لا يكمن في الإعانات المؤقتة، بل في نتائج جولة مفاوضات الأجور السنوية (Shunto) التي ستنتهي في مارس المقبل. فبعد أن نجحت النقابات العمالية هذا العام في تحقيق أكبر زيادة في الأجور منذ ثلاثة عقود، يتوقف مستقبل الاستهلاك على قدرتها على تكرار هذا الإنجاز وتجاوز معدل التضخم. تشير المطالب الأولية للنقابات الكبرى إلى إصرارها على استمرار الزخم، مما يجعل هذه المفاوضات الاختبار الحقيقي لقدرة الاقتصاد الياباني على تحقيق دورة اقتصادية إيجابية ومستدامة. فبدون نمو حقيقي في الأجور، سيبقى أي تعافٍ للاستهلاك مجرد سراب.









