بول توماس أندرسون: 30 عاماً من «الدراما النفسية» في انتظار تتويج الأوسكار
مسيرة «المؤلف السينمائي» تتوج بنجاح «One Battle After The Other» وترشيحات قياسية

يواصل المخرج والكاتب السينمائي بول توماس أندرسون، بخطى واثقة، مسيرته نحو الفوز بأول جائزة أوسكار في تاريخه، وذلك بعد حصده جائزتي أفضل مخرج ومؤلف وأفضل فيلم (كوميدي أو موسيقي) مؤخرًا. ويأتي هذا الترشح المنتظر بعد 11 ترشيحًا سابقًا في فئات مختلفة لم يحالفه الحظ فيها.
أندرسون، الذي توج بجوائز كبرى من مهرجانات عالمية مثل كان وفينيسيا وبرلين (مرتين)، بالإضافة إلى جولدن جلوب والبافتا، يختتم هذا العام ثلاثين عامًا من الإبداع السينمائي. خلال هذه المسيرة، قدم عشرة أفلام بدأت بـ «Hard Eight» عام 1996، وتضمنت روائع مثل «Boogie Nights» و«Magnolia» و«There Will Be Blood». ورغم أن هذه الأعمال ربما لم تحقق نجاحًا تجاريًا استثنائيًا، إلا أنها نالت تقديرًا واسعًا ومشاهدات متزايدة عبر الأجيال، متجاوزة حدود شباك التذاكر.
ملك الدراما النفسية
تُبرهن أعماله العشرة على مكانة بول توماس أندرسون، المعروف اختصارًا بـ «B.T.A»، كأحد أبرز «المؤلفين السينمائيين» في عالم الفن السابع، وذلك على الرغم من التحدي الذي يواجهه النقاد في تصنيف أفلامه ضمن قوالب محددة.
برع أندرسون في تقديم الدراما النفسية، ليصبح أحد روادها، كما يتضح في أعماله الأربعة المذكورة آنفًا. اللافت للنظر هو غياب التشابه بين أي فيلمين من أفلامه العشرة. قد يظن مشاهد غير مطلع على أعماله أنها لمخرجين مختلفين تمامًا، لكن نظرة متأنية تكشف عن بصمة فنية فريدة وأسلوب مميز يخص بول توماس أندرسون وحده.
تتجلى ملامح هذه الشخصية والأسلوب بوضوح في أحدث أفلامه، «One Battle After The Other»، الذي يُصنف كأحد أبرز أعمال عام 2025 فنيًا، وربما أفضلها. يحصد الفيلم الجوائز تباعًا منذ عرضه العام في سبتمبر الماضي، في خطوة مفاجئة من صناعه الذين فضلوا طرحه مباشرة للجمهور دون المشاركة في المهرجانات الكبرى.
شخصيات لا تُنسى
يُعد فيلم «One Battle After The Other» الأضخم إنتاجيًا في مسيرة أندرسون، حيث استغرق سنوات طويلة لتحقيق رؤيته على الشاشة. كما أنه الأكثر نجاحًا تجاريًا بين أعماله، محققًا إيرادات تجاوزت 200 مليون دولار حتى الآن.
يتجلى اهتمام أندرسون العميق برسم الشخصيات، بغض النظر عن حجم دورها في السيناريو، كسمة بارزة في سينماه وتظهر بوضوح في «One Battle After The Other». ورغم تصنيفه كفيلم حركة، إلا أنه يثير الإعجاب بشخصياته النابضة بالحياة، حتى تلك التي تؤدي أدوارًا ثانوية. وقد أصبح الفيلم الأكثر ترشحًا لجوائز التمثيل في التاريخ، رغم فوزه بجائزة تمثيل واحدة فقط في الجولدن جلوب لأفضل ممثلة في دور ثانٍ، والتي ذهبت لتيانا تيلور. ويُلاحظ أن أداء تيلور، رغم الجائزة، كان الأقل إبهارًا مقارنة بالأسماء الكبيرة مثل دي كابريو وشون بن وبينيثيو ديل تورو وريجينا هال، وحتى الموهبة الشابة تشيس إنفينيتي.
تُعيد هذه التوليفة الغنية من الشخصيات المتقنة والممثلين المبدعين إلى الأذهان فيلمه «Magnolia» عام 1999، الذي كان من أوائل وأنجح أعمال «الهايبر لينك» (Hyper Link). هذا النوع السينمائي يجمع قصصًا وشخصيات متعددة ضمن إطار زمني ومكاني واحد، وقد انتشر بشكل واسع في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.
كما تُعيد غرابة أطوار شخصيات «One Battle After The Other» إلى الأذهان العديد من شخصياته الفريدة التي قدمها أندرسون سابقًا. من بينها شخصيات فيلمه الأول «Hard Eight»، الذي يروي قصة صداقة وعمل مشترك بين مقامر محترف ومتشرد، أو شخصيات فيلمه الثاني «Boogie Nights» الذي يتناول عالم صناعة الأفلام الإباحية.
يمنح أندرسون كل شخصية يرسمها عمقًا نفسيًا وخصوصية تتجاوز الأنماط التقليدية التي يعتمدها صناع الأفلام والدراما عادةً.
فتنة السبعينيات
يتميز بول توماس أندرسون بالتجريب الفني واستخدام أنواع مختلفة من الكاميرات والتنسيقات، وهي سمة بارزة تتجلى في «One Battle After The Other». يُقال إن هذا الفيلم هو الأول الذي يُصور بكاميرات «VistaVision» منذ الستينيات، والتي تشتهر بإطارها الواسع وألوانها الزاهية.
قضى أندرسون، البالغ من العمر 56 عامًا، طفولته المبكرة في السبعينيات والثمانينيات، وشهد ظهور أنواع مختلفة من الكاميرات الصغيرة وصولًا إلى الرقمية. تتسم معظم أفلامه بالتجريب بهذه الكاميرات والأشكال المتنوعة للصورة السينمائية، كما يتضح في فيلمه السابق «Licorice Pizza» الذي يحاكي أجواء السبعينيات. يُعرف أندرسون بشغفه البصري بسينما تلك الحقبة.
نقد التاريخ الأمريكي
يبرز النقد الاجتماعي والسياسي المبطن كسمة متكررة في أعمال بول توماس أندرسون، ويصل إلى ذروته في فيلم «One Battle After The Other». يتسم هذا النقد بالثورية والراديكالية الشديدة، ويأتي في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة والعالم صراعات سياسية محتدمة، مع استلهام واضح لحركات التحرر اليسارية في الستينيات.
غالبًا ما يتخذ هذا النقد مسارين: أحدهما دنيوي يهاجم الرأسمالية والتكالب على الثروة، والآخر ديني ينتقد الانحرافات الأخلاقية والجنسية. يربط أندرسون بين هذين المسارين والنظام الاجتماعي والسياسي الذي قامت عليه الولايات المتحدة، وهو ما يمكن تتبعه في أفلام مثل «Magnolia» و«There Will Be Blood».
بين الأدب والموسيقى
إلى جانب شغفه بالسينما، يُعرف أندرسون بحبه العميق للموسيقى، وقد أخرج عددًا من الأغاني المصورة لفنانين مشهورين، بالإضافة إلى فيلمين وثائقيين عن موسيقيين. كما يتمتع أندرسون، الذي درس الأدب الإنجليزي، باهتمامات أدبية واسعة، حيث كتب سيناريوهات أفلامه، وقام بتحويل روايته «Inherent Vice» إلى عمل سينمائي.
يمتزج كل من الموسيقى والأدب ببراعة في أعمال أندرسون، مما يجعله من صناع الأفلام القلائل الذين يجمعون بين الإيقاع الأدبي السردي التفصيلي والإيقاع الموسيقي الشعري التجريدي. يتجلى هذا التناغم بوضوح في فيلم «One Battle After The Other».
من السمات المميزة الأخرى لبول توماس أندرسون ميله إلى استكشاف موضوعات سبق أن تناولها في أفلام قصيرة أو عبر وسائط فنية أخرى.
على سبيل المثال، قام أندرسون بإنتاج فيلمه القصير الأول بجهود ذاتية، بعد أن جمع المال من عمله في تنظيف أقفاص الحيوانات الأليفة. حمل الفيلم عنوان «The Dirk Diggler Story» وينتمي إلى فئة الـ «Mockumentary» (الوثائقي الساخر)، وهو أسلوب يستخدم أدوات الأفلام الوثائقية لتقديم أعمال خيالية. دار الفيلم حول نجم أفلام إباحية متخيل، وهي الفكرة التي طورها أندرسون لاحقًا في فيلمه الشهير «Boogie Nights».
يُعرف بول توماس أيضًا بميله للعمل مع فريق فني وممثلين متكررين عبر أفلامه. على مدار ثلاثة عقود، تعاون مع عدد قليل جدًا من الأسماء (مقارنة بمعظم المخرجين)، خاصة في مجالات التصوير والموسيقى والمونتاج وتصميم الملابس، بالإضافة إلى الممثلين. هذا التعاون المستمر لا يخلق تفاهمًا وانسجامًا بين عناصر الفيلم فحسب، بل يضفي على بيئة العمل جوًا من الألفة والتلقائية ينعكس إيجابًا على جودة الأفلام ذاتها.








