بوصلة الحفر السعودية تتغير: الغاز والتوسع الخارجي يرسمان مستقبل القطاع
بعد قرار أرامكو تجميد زيادة إنتاج النفط، شركات الحفر الكبرى تعيد تموضعها استراتيجيًا بين مشاريع الغاز المحلية والأسواق الدولية الواعدة.

يشهد قطاع الحفر السعودي مرحلة تحول استراتيجي عميقة، مدفوعة بقرار شركة “أرامكو” تجميد خططها لزيادة الطاقة الإنتاجية للنفط. هذا القرار، الذي كان بمثابة نقطة تحول، أعاد رسم خريطة أولويات الطاقة في المملكة، دافعًا شركات الحفر الكبرى إلى إعادة تموضعها بين التركيز على مشاريع الغاز الطبيعي الواعدة محليًا، وتسريع وتيرة التوسع في الأسواق الخارجية.
جاءت أولى تداعيات هذا التحول في صورة انكماش ملحوظ في نشاط حفر آبار النفط، حيث هوى عدد المنصات النشطة إلى 20 منصة فقط بحلول منتصف 2025، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين. يعكس هذا الرقم بوضوح نهاية حقبة من التوسع النفطي، وبداية عهد جديد يضع الغاز في صدارة استثمارات الطاقة، وهو ما فرض واقعًا جديدًا على المقاولين المحليين.
شركات الحفر في مواجهة الواقع الجديد
في قلب هذا المشهد المتغير، واجهت شركة “الحفر العربية”، إحدى أكبر الشركات في القطاع، تحديات مباشرة أدت إلى تسجيلها أول خسارة فصلية منذ إدراجها في السوق المالية. إلا أن الشركة سرعان ما بدأت في تنفيذ استراتيجية تعافٍ طموحة ترتكز على محورين: الانخراط بقوة في مشاريع الغاز غير التقليدية التي تقودها “أرامكو”، واستكشاف أسواق جديدة خارج حدود المملكة.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير في شؤون الطاقة، الدكتور ناصر القحطاني، أن “ما نشهده ليس تباطؤًا بقدر ما هو إعادة توجيه ذكية للاستثمارات. تركيز أرامكو على حقل الجافورة ومشاريع الغاز الأخرى يخلق طلبًا متخصصًا جديدًا، والشركات القادرة على التكيف مع هذا الطلب ستكون الرابحة في المعادلة الجديدة”. وتتوقع “الحفر العربية” بالفعل أن ترتفع معدلات تشغيل منصاتها إلى 80% بحلول 2026، مدعومة بعقود الغاز الجديدة والمنصات البحرية ذات الربحية الأعلى.
التوسع الخارجي.. استراتيجية التحوط
على النقيض، أظهرت شركة “أديس القابضة” مرونة أكبر في مواجهة التباطؤ المحلي، بفضل استراتيجيتها المبكرة للتوسع الدولي. فقد حافظت الشركة على مسار أرباح ثابت، حيث يأتي نصف أعمالها حاليًا من أسواق خارجية في الخليج وآسيا وأفريقيا. هذا التنوع الجغرافي لم يعوض فقط تراجع النشاط المحلي، بل أسهم أيضًا في تحسين هوامش الربح وخفض التكاليف التشغيلية.
يُظهر نموذج عمل “أديس” كيف يمكن للتوسع الخارجي أن يكون صمام أمان استراتيجيًا للشركات العاملة في قطاع الطاقة، الذي يتسم بالتقلبات الدورية. فبدخولها أسواقًا جديدة مثل نيجيريا وجنوب شرق آسيا، نجحت الشركة في بناء محفظة أعمال متوازنة تقلل من اعتمادها على سوق واحدة، وهو نهج يُرجّح أن تتبعه شركات أخرى في القطاع خلال الفترة المقبلة.
مستقبل قطاع الحفر السعودي
مع ضخ “أرامكو” استثمارات بمليارات الدولارات في تطوير أعمال الغاز، بما في ذلك حقل الجافورة العملاق، فإن الطلب المحلي على خدمات الحفر لن يختفي بل سيتغير نوعه. الهدف السعودي المتمثل في زيادة إنتاج الغاز بنحو 80% بحلول عام 2030 سيخلق فرصًا هائلة في مجال حفر آبار الغاز وصيانتها، وهو ما بدأت الشركات الكبرى تستعد له بالفعل.
في المحصلة، يقف قطاع الحفر السعودي عند مفترق طرق حاسم. لم يعد النمو مرتبطًا فقط بزيادة إنتاج النفط الخام، بل أصبح يعتمد على معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين التكيف مع أولويات الطاقة المحلية المتمثلة في الغاز، والقدرة على المنافسة والفوز بعقود في الأسواق الإقليمية والدولية. إنها مرحلة إعادة تموضع شاملة ستحدد ملامح اللاعبين الرئيسيين في صناعة الطاقة السعودية للعقد القادم، في إطار أوسع يخدم أهداف رؤية المملكة 2030 لتنويع الاقتصاد ومصادر الطاقة.









