بريكست يواصل الضغط على الاقتصاد البريطاني لسنوات قادمة

في تصريح نادر ومباشر، حذر أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، من أن قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيظل عبئًا على النمو الاقتصادي لسنوات. ورغم تأكيده على قدرة الاقتصاد على التكيف التدريجي، إلا أن تداعيات بريكست تبدو أعمق من مجرد صدمة عابرة، وتأتي ضمن سياق تحديات هيكلية تواجه المملكة المتحدة.
صدمات هيكلية متتالية
أوضح بيلي خلال كلمة ألقاها في واشنطن أن تأثير بريكست السلبي على النمو الاقتصادي سيستمر “في المستقبل المنظور”، لكنه سيتلاشى بمرور الوقت مع تأقلم التجارة وإعادة بناء مساراتها. ويأتي هذا التصريح ليضع الخروج من الاتحاد الأوروبي ضمن سلسلة من الصدمات التي ضربت الاقتصاد البريطاني، بما في ذلك جائحة كورونا، والغزو الروسي لأوكرانيا، والرسوم الجمركية الأمريكية.
هذه النظرة التحليلية تربط القرار السياسي بتحديات عالمية أوسع، مما يفسر صعوبة عزل تأثير بريكست وحده. فبحسب تقديرات المكتب الحكومي للمسؤولية المالية، خفّض الخروج من الاتحاد الأوروبي الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبة 4% بشكل دائم، وهو ما يمثل خسارة سنوية تقدر بنحو 124 مليار دولار من الإنتاج المهدر، مما يضع ضغوطًا هائلة على المالية العامة.
تحديات النمو والسياسة الاقتصادية
أشار محافظ بنك إنجلترا إلى أن إمكانات النمو في المملكة المتحدة تباطأت إلى 1.5% سنويًا خلال الـ15 عامًا الماضية، مقارنة بـ2.5% في العقدين السابقين. هذا التباطؤ الهيكلي، الذي تفاقم بفعل بريكست، يعقد مهمة صانعي السياسة الاقتصادية بشكل كبير، خاصة مع تزامنها مع تحديات ديموغرافية مثل شيخوخة السكان وضعف الإنتاجية.
ولشرح الأثر المالي، ذكر بيلي أنه لو استمر النمو عند 2.5%، لكانت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 82% حاليًا بدلاً من 96%. وأضاف بعبارة بسيطة ومباشرة: “عندما ينمو المقام (أي الناتج المحلي) بوتيرة أبطأ، تصبح السياسة الاقتصادية أكثر صعوبة”. هذه الكلمات تأتي كخلفية اقتصادية دقيقة للموازنة المنتظرة في نوفمبر، حيث تواجه الحكومة الجديدة تحدي سد فجوات الإنفاق.
آفاق المستقبل: بين التكيف والاستثمار
رغم الصورة القاتمة، لم يغفل بيلي الإشارة إلى ديناميكية التجارة وقدرتها على التكيف، حيث تسعى المملكة المتحدة لإبرام اتفاقيات تجارية جديدة لتعويض الخسائر. واستشهد بالفكر الاقتصادي لآدم سميث، مؤكدًا أن “منطقة التجارة الأوسع تؤدي إلى نمو أكبر في الإنتاجية”، في إشارة ضمنية إلى أن تقليص هذه المنطقة عبر بريكست كان له ثمنه.
وفي ختام حديثه، شدد بيلي على أن مواجهة تباطؤ النمو تتطلب تعزيز الاستثمارات في الاقتصاد البريطاني. وألمح إلى أن التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي قد تمثل فرصة لتعزيز الإنتاجية، قائلاً: “يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيكون التكنولوجيا العامة التالية، وعلينا العمل على تطويره بشكل مناسب وسليم”، مما يفتح نافذة أمل لمواجهة التحديات الهيكلية طويلة الأمد.









