برمجيات التجسس.. صناعة عالمية بمليارات الدولارات تثير جدلاً أخلاقياً

كتب: وليد سرحان
تسللت برمجيات التجسس إلى حياتنا لتُشكّل تهديداً خطيراً للخصوصية، فبعد فضيحة بيجاسوس، تُبرز أحدث التقارير استخدام حكومات لأدوات مراقبة رقمية متطورة، مُثيرًا جدلاً واسعاً حول الأخلاقيات والأمن الرقمي.
إسرائيل تسيطر على سوق التجسس
لا تُمثل شركة NSO Group، صاحبة برنامج بيجاسوس الشهير، اللاعب الوحيد في سوق التجسس الرقمي. فبحسب تقرير Grand View Research، وصل حجم السوق إلى 245.6 مليار دولار عام 2024، ويتوقع أن يتضاعف ليصل إلى 500.7 مليار دولار بحلول عام 2030. وتُسيطر الشركات الإسرائيلية على المراكز الأولى في هذا السوق، بفضل خبراتها المتراكمة في مجال الأمن السيبراني.
NSO Group، ببرنامجها بيجاسوس، تُعتبر الرائدة، بقدرتها على اختراق الهواتف الذكية عبر روابط خبيثة أو حتى دون تفاعل المستخدم (Zero-Click). كما تتميز بيجاسوس بقدرتها على استخراج البيانات من تطبيقات مشفرة مثل واتساب وتلجرام، وتشغيل الكاميرا والميكروفون، وتحديد الموقع.
أما Candiru، فبرمجيتها “DevilsTongue” تُعرف بانتشارها الواسع على أنظمة تشغيل متعددة. بينما تُقدم Intellexa Consortium برمجية Predator، وParagon Solutions برمجيتها Graphite، التي سمحت إدارة ترمب لوكالة الهجرة الأمريكية ICE باستخدامها.
الوحدة 8200 الاستخباراتية.. انطلاق التجسس
تُعد الوحدة 8200، أكبر وحدة في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، حجر الزاوية في قصة صناعة التجسس الإسرائيلية. فخبرات أفرادها في مجالات استغلال الثغرات الأمنية و بناء أدوات المراقبة تُنقل إلى القطاع الخاص، مُشكّلة قاعدة أساسية لشركات التجسس الإسرائيلية.
من هذه الوحدة انطلقت شركات مثل NSO Group، Candiru، Paragon Solutions، و Quadream، حيث عمل معظم مؤسسيها أو كبار مهندسيها في الوحدة 8200. وهذا يمنح إسرائيل ميزة تنافسية كبيرة في السوق العالمي.
لم يتوقف دور الوحدة 8200 عند نقل الخبرات فقط، بل امتد لتشكيل ثقافة ريادة أعمال فريدة. فالمناخ الأمني والسياسي في إسرائيل، مع تراخيص التصدير التي تمنحها وزارة الدفاع، جعل إسرائيل المزوّد الأول لأدوات المراقبة الرقمية المتقدمة.
إلى جانب الشركات الإسرائيلية، تبرز شركات أوروبية مثل Gamma Group (FinFisher)، و شركات أصغر مثل Cy4Gate و Negg Group و Variston، تُقدم حلولاً متخصصة في مجال التجسس الرقمي.
كيف تعمل برمجيات التجسس؟
تتميز برمجيات التجسس بطرقها السرية في التثبيت، من خلال رسائل نصية خادعة أو روابط مُضللة، أو حتى عبر استغلال ثغرات أمنية. وبعد التثبيت، تبدأ بجمع البيانات الحساسة، وتتبّع الموقع، والسيطرة على الكاميرا والميكروفون، بشكل يُصعب اكتشافه.
“جرافيت”.. إدارة ترمب تتجسس
أثارت صفقة Paragon Solutions مع وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) جدلاً واسعاً، فبعد تعليقها مؤقتاً، أعادت واشنطن استخدام برمجية Graphite بعد استحواذ شركة أمريكية عليها. وأثارت مزاعم Paragon حول “الاستخدام الأخلاقي” شكوكاً بعد تقارير عن استخدام برمجياتها ضد صحفيين ونشطاء.
أظهرت تسريبات استخدام برمجية Graphite في محاولات لاختراق حسابات صحفيين ونشطاء في إيطاليا، مما يُثبت أن هذه البرمجيات تُشكل تهديداً خطيراً للحريات المدنية.
أصبحت صناعة التجسس الرقمي صناعة ضخمة، مُشكّلة فرصاً اقتصادية لكنها في المقابل أثارت تحديات أخلاقية وقانونية كبيرة. فاستخدام هذه البرمجيات ضد الصحفيين والنشطاء يُثير قلقاً بالغاً.











