انقسام الفيدرالي يلقي بظلاله على وول ستريت: تحليل لأسباب حذر الأسواق رغم تفاؤل الذكاء الاصطناعي
بينما تتسع الفجوة في توقعات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة إلى أوسع نطاق لها منذ عام 2012، تجد الأسواق نفسها في حالة من الترقب الحذر، حيث يوازن المستثمرون بين رهانات الذكاء الاصطناعي ومخاطر السياسة النقدية.

للمرة الأولى منذ عام 2012، وصلت الفجوة بين أعلى وأدنى توقعات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لمسار الفائدة إلى أقصى اتساع لها، وهو مؤشر لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يمثل انقساماً استراتيجياً عميقاً يغذي حالة عدم اليقين التي تخيم على وول ستريت. هذا التباين الداخلي يفسر بشكل مباشر لماذا ظل مؤشر “إس آند بي 500” محصوراً ضمن نطاق تداول ضيق، فعلى الرغم من تسجيله ارتفاعاً في ست من آخر سبع جلسات، إلا أن هذا الصعود كان هشاً ويفتقر إلى الاتساع، حيث تراجعت غالبية أسهم المؤشر. إنها مفارقة تكشف عن سوق تتحرك بفعل عدد قليل من الأسهم العملاقة مثل “أبل”، بينما تعاني مكوناته الأخرى، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل هذا انتعاش حقيقي أم مجرد صعود انتقائي تقوده أسماء محدودة؟
تقلبات الأصول الرقمية
في سياق متصل، شهدت عملة “بتكوين” قفزة تجاوزت بها مستوى 90 ألف دولار، لكن هذا الارتداد جاء بعد موجة هبوط عنيفة أدت إلى تصفية رهانات ممولة بالديون تقارب قيمتها المليار دولار. هذا التعافي السريع لا يمثل تغيراً في المعنويات بقدر ما يعكس الطبيعة المتقلبة للأصول عالية المخاطر في بيئة اقتصادية ضبابية، حيث لا تزال الأسواق الرقمية تبحث عن اتجاه واضح وسط انتظارها لقرار الفيدرالي وبيانات التضخم القادمة. ففي النهاية، لا يمكن فصل حركة الأصول المشفرة عن شهية المخاطرة العامة التي يحدد مسارها البنك المركزي الأقوى في العالم.
رهان الذكاء الاصطناعي مقابل الواقع الاقتصادي
في مقابل هذا الحذر، تقف سردية الذكاء الاصطناعي كقوة دافعة رئيسية للأسواق، حيث يرى محللون مثل فريق “22V Research” أن الرهان ضد الأسهم الأمريكية حالياً هو رهان ضد مسار اقتصادي مدعوم بقوة الإنفاق الاستهلاكي وضخ استثمارات رأسمالية هائلة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. تستند هذه الرؤية المتفائلة إلى فرضية أن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي سيعزز الإنتاجية بشكل كبير، مما يسمح للشركات بتحقيق هوامش ربح قوية تبرر تقييماتها المرتفعة الحالية، وهو ما تدعمه دراسات متخصصة حول الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع ذلك، فإن هذا التفاؤل يصطدم بمخاوف متزايدة حول وصول تقييمات بعض الشركات إلى مستويات فقاعية، خاصة مع استمرار الشكوك حول قدرة الفيدرالي على هندسة هبوط ناعم للاقتصاد.
انقسام داخل أروقة الفيدرالي
بعد أن أقر الاحتياطي الفيدرالي تخفيضات في أسعار الفائدة تجاوزت النقطة المئوية الكاملة، يدور النقاش الآن داخل أروقته حول النقطة المثلى للتوقف المؤقت، وهو نقاش أدى إلى انقسام علني غير معتاد. هذا الخلاف الحاد، الذي يتجلى في التباعد القياسي لتوقعات المسؤولين، يجعل من قرار الأسبوع المقبل حدثاً محورياً قد لا يقل أهمية عن القرار نفسه. التوقعات تشير إلى احتمالية ما يسمى بـ “الخفض المتشدد” (Hawkish Cut)، أي تخفيض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس مع إصدار بيان يوحي بأن الباب قد يكون مغلقاً أمام تخفيضات إضافية قريبة. مثل هذا القرار قد يشهد اعتراض ما لا يقل عن ثلاثة أعضاء، وهو عدد كبير يعكس حجم الخلاف حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية.
تسعير مفرط في سوق السندات؟
هذه الحالة من عدم اليقين تمتد إلى سوق السندات، حيث يحذر استراتيجيو “جيه بي مورغان تشيس” من أن الأداء الاستثنائي لسندات الخزانة هذا العام من غير المرجح أن يتكرر. السبب بسيط: لقد قامت الأسواق بتسعير توقعات جريئة للغاية، تشمل ما يقرب من أربعة تخفيضات للفائدة خلال العام المقبل، وهو سيناريو قد لا يتحقق إذا ظل الاقتصاد الأمريكي مرناً. فإذا لم يقم الفيدرالي بتنفيذ هذا العدد الكبير من التخفيضات، فإن عوائد السندات ستشهد حتماً “عودة إلى الوضع الطبيعي”، مما يعني ارتفاعها وانخفاض أسعار السندات. الاقتصاد الأمريكي، كما يصفه الخبراء، “يتأثر لكنه لا ينهار”، وهذه المرونة قد تكون هي العامل الذي يفاجئ المستثمرين الذين يراهنون بقوة على دورة تيسير نقدي سريعة وعميقة.








