اقتصاد

اليابان في مواجهة التضخم: هل يرفع بنك اليابان الفائدة لأول مرة منذ سنوات؟

مؤشر التضخم الرئيسي يستقر عند 3% للشهر الثاني، والأنظار تتجه نحو قرار بنك اليابان المرتقب برفع تكاليف الاقتراض لمستويات غير مسبوقة منذ ثلاثة عقود، وسط تحديات اقتصادية وسياسية.

تواصل الضغوط التضخمية في اليابان إلقاء بظلالها على المشهد الاقتصادي، حيث حافظ مؤشر التضخم الرئيسي على استقراره عند مستوى 3% للشهر الثاني على التوالي. هذا الثبات في الأسعار يأتي في خضم ترقب كبير لخطوة تاريخية قد يقدم عليها بنك اليابان، تتمثل في رفع تكاليف الاقتراض للمرة الأولى منذ يناير الماضي، وهو ما يشير إلى تحول محتمل في سياسته النقدية.

وفي تفاصيل الأرقام الصادرة عن وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات يوم الجمعة، كشفت البيانات عن ارتفاع أسعار المستهلكين، باستثناء المواد الغذائية الطازجة، بنسبة 3% على أساس سنوي خلال شهر نوفمبر. اللافت في هذه القراءة هو أنها جاءت مطابقة لتوقعات الاقتصاديين، ومحافظة على نفس وتيرة الارتفاع المسجلة في الشهر الذي سبقه، مما يؤكد على استمرارية زخم التضخم.

من جهة أخرى، جاء المؤشر العام للتضخم متوافقاً مع تقديرات المحللين عند 2.9%. بينما سجل المؤشر الأكثر عمقاً، والذي يستثني أسعار الطاقة المتقلبة، زيادة بنسبة 3%، وإن كان ذلك يمثل تباطؤاً طفيفاً مقارنة بالشهر السابق، مما قد يشير إلى بعض التغيرات في مكونات الضغط السعري.

بنك اليابان على أعتاب قرار تاريخي: هل تتغير قواعد اللعبة؟

تأتي هذه الأرقام الاقتصادية قبيل ساعات قليلة من اجتماع مرتقب للبنك المركزي الياباني، حيث تشير التوقعات شبه الإجماعية، بناءً على استطلاع أجرته وكالة بلومبرغ وشمل 50 خبيراً اقتصادياً، إلى أن البنك سيتجه نحو رفع سعر الفائدة المرجعي إلى 0.75%. في حال حدوث ذلك، سيكون هذا أعلى مستوى للفائدة تشهده اليابان منذ ثلاثة عقود، مما يمثل تحولاً جوهرياً في سياستها النقدية التي طالما اتسمت بالمرونة والتيسير الكمي. للمزيد حول آليات عمل البنوك المركزية وتأثيرها على الاقتصاد، يمكن الاطلاع على هذا المقال.

وبعيداً عن القرار الوشيك، ستوجه بيانات التضخم الصادرة يوم الجمعة أنظار المستثمرين نحو مسار السياسة النقدية المستقبلية، وبالتحديد وتيرة أي زيادات إضافية في أسعار الفائدة قد يشهدها عام 2026. هذا الترقب يأتي في سياق سعي البنك المركزي المتواصل لدفع سياسته النقدية ببطء وثبات نحو مستويات أكثر حيادية، بعد سنوات من التيسير الشديد.

يُذكر أن مؤشر التضخم الأساسي في اليابان قد تجاوز أو حافظ على مستوى 2%، وهو الهدف الذي حدده بنك اليابان، وذلك لمدة 44 شهراً متتالياً، مما يعكس استمرارية الضغوط. وقد لعب ارتفاع أسعار الطاقة دوراً محورياً في دعم هذه المكاسب السعرية الإجمالية، خاصة بعد قرار تقليص الدعم الحكومي لفواتير المرافق، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة هذه الارتفاعات.

التضخم: تحدٍ اقتصادي وسياسي يواجه اليابان

لا تقتصر تداعيات الارتفاع المستمر في الأسعار على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشكل قلقاً سياسياً بالغاً لرئيسة الوزراء ساناي تاكايشي. فقبل توليها المنصب، شهد حزبها الحاكم، “الحزب الديمقراطي الليبرالي”، انتكاسات واضحة في الانتخابات الوطنية، مدفوعة بشكل كبير بحالة الاستياء الشعبي المتزايد جراء تفاقم تكاليف المعيشة على المواطنين.

وفي محاولة منها للتخفيف من وطأة هذا العبء، بادرت تاكايشي إلى إعداد حزمة اقتصادية متكاملة تضمنت إجراءات لتخفيف الأسعار. من أبرز هذه الإجراءات كان دعم فواتير الكهرباء خلال أشهر الشتاء الباردة، بالإضافة إلى تقديم مساعدات نقدية لمرة واحدة تستهدف الأسر التي لديها أطفال، في مسعى لامتصاص جزء من الصدمة التضخمية.

وتعكس الأرقام الصادرة عن “تيكوكو داتابنك” الشهر الماضي حجم التحدي، حيث تشير التوقعات إلى أن كبرى شركات الأغذية في اليابان ستنفذ ما يقارب 20609 زيادة سعرية خلال العام الجاري. هذا الرقم يمثل قفزة هائلة بنسبة 64.6% مقارنة بالعام الماضي، مما يسلط الضوء على مدى انتشار موجة ارتفاع الأسعار في قطاع الغذاء الحيوي.

وفي هذا السياق، يرى تارو كيموار، المحلل لدى “بلومبرغ إيكونوميكس”، أن استمرار مؤشرات التضخم الأساسية عند مستوى يقارب 3%، متجاوزة بذلك هدف بنك اليابان البالغ 2%، يعطي البنك المركزي ثقة إضافية. هذه الثقة، بحسب كيموار، تنبع من قناعة البنك بأن نمو الأسعار بات مستداماً بما يكفي لتبرير خطوة رفع سعر الفائدة الأساسي من 0.5% إلى 0.75%، وهي خطوة يتوقع أن تتم في وقت لاحق من اليوم.

عيون السوق تترقب تصريحات محافظ بنك اليابان

بعد إعلان قرار السياسة النقدية، ستتحول كل الأنظار في الأسواق المالية يوم الجمعة إلى المؤتمر الصحفي لمحافظ بنك اليابان، كازو أويدا، والذي من المتوقع أن يبدأ في تمام الساعة 3:30 بعد الظهر بتوقيت طوكيو. فكل كلمة يقولها أويدا ستحظى بتدقيق شديد، خاصة أي إشارة إلى قلق البنك بشأن استمرارية التضخم، حيث يمكن لمثل هذه التصريحات أن تقدم مؤشرات حاسمة حول وتيرة وسرعة استمرار البنك في رفع أسعار الفائدة خلال العام المقبل.

من المحتمل أن يسعى المحافظ أويدا خلال حديثه إلى بث الطمأنينة في نفوس الأسر اليابانية، مشيراً إلى توقعات بتراجع مكاسب الأسعار في المستقبل. ويستند هذا التوجه إلى أحدث تقارير التوقعات الصادرة عن البنك في أكتوبر، والتي رجحت أن تتراجع مؤشرات التضخم الرئيسية إلى ما دون 2% خلال النصف الأول من السنة المالية التي تبدأ في أبريل، مع توقع خاص بتراجع ملحوظ في تضخم أسعار الغذاء.

وفي مؤشر قد يبعث على بعض التفاؤل الحذر، تشير بيانات “تيكوكو داتابنك” إلى أن شركات الأغذية والمشروبات قد أعلنت حتى الآن عن خطط لرفع أسعار 1050 منتجاً فقط خلال العام المقبل. هذا الرقم يمثل تراجعاً كبيراً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حيث كانت الشركات تتوقع زيادات سعرية لنحو 4400 منتج في عام 2025، مما قد يوحي بتباطؤ محتمل في وتيرة ارتفاع أسعار المواد الغذائية مستقبلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *