عرب وعالم

اليابان: رئيسة الوزراء تاكايتشي تسعى لتعزيز قبضتها السياسية بانتخابات شتوية مفاجئة

تاكايتشي تدعو لانتخابات مبكرة في اليابان لتعزيز شعبيتها ومواجهة تحالف المعارضة الجديد.

دعت رئيسة الوزراء اليابانية، سانا تاكايتشي، إلى انتخابات برلمانية مبكرة في شهر فبراير المقبل، في خطوة تعد الأولى من نوعها في الشتاء منذ 36 عامًا. ورغم أن تاكايتشي لا تفضل حرارة الصيف الياباني الرطب، خاصة خلال الحملات الانتخابية، إلا أن السبب الرئيسي وراء هذا القرار لا يكمن في الطقس، بل في شعبيتها المتزايدة بين الناخبين. فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة نهاية الأسبوع حصولها على نسبة تأييد بلغت 78%.

تسعى تاكايتشي، التي تولت منصب رئاسة الوزراء في أواخر أكتوبر خلفًا لشيغيرو إيشيبا، إلى ترسيخ هذه الشعبية في صناديق الاقتراع. وقد يساهم الفوز في هذه الانتخابات إما في تعزيز الأغلبية الهشة التي تتمتع بها حاليًا مع شريكها الجديد في الائتلاف، حزب الابتكار الياباني (نيبون إيشين نو كاي)، أو ربما استعادة الأغلبية المطلقة التي خسرها حزبها الليبرالي الديمقراطي في الانتخابات العامة لعام 2024. وقبل اتخاذ قرار الدعوة للانتخابات، حاولت تاكايتشي إقناع الحزب الديمقراطي للشعب المعارض بالانضمام إلى الائتلاف الحاكم، لكن محاولتها باءت بالفشل.

طموحات استعادة أغلبية الحزب الحاكم

وفي حال تمكن الحزب الليبرالي الديمقراطي من استعادة الأغلبية، لن تكون تاكايتشي، التي تقود البلاد وحزبها، بحاجة لدعم المعارضة لتمرير الميزانيات والتشريعات. كما سيتيح لها ذلك بناء شبكة من البرلمانيين الموالين داخل الحزب. وفي هذا السياق، يرى أكسل كلاين، خبير الشؤون اليابانية بجامعة دويسبورغ-إيسن الألمانية، أن “الأمر برمته جريء للغاية”، مضيفًا: “لكن تاكايتشي قد تراهن على أن شعبيتها قد تجعل شريكها الجديد في الائتلاف، حزب إيشين، زائدًا عن الحاجة”.

وكانت رئيسة الوزراء البالغة من العمر 64 عامًا قد أبلغت قادة الحزب الليبرالي الديمقراطي، يوم الأربعاء، عزمها حل البرلمان عند انعقاد دورته العادية في 23 يناير الجاري. وأوضحت تاكايتشي أنها ستقدم المزيد من التفاصيل يوم الاثنين. وتشير تقارير وسائل الإعلام اليابانية إلى أن التصويت سيجري على الأرجح في 8 أو 15 فبراير. وقد رحب المستثمرون بهذه الخطوة؛ حيث ارتفع مؤشر نيكاي 225 القياسي إلى مستوى قياسي، ترقبًا لأن فوز تاكايتشي سيسهل عليها تطبيق سياساتها المالية “الاستباقية” وما يتبعها من زيادة في الإنفاق الحكومي.

صورة القائدة الحازمة

قد يعود جزء من شعبيتها إلى كونها أول امرأة تتولى أعلى منصب سياسي في البلاد. كما أن لديها خطة واضحة المعالم لإنعاش الاقتصاد الياباني، وتبدو جادة في تطبيقها. فقد ألغت ضريبة خاصة على البنزين، واستخدمت إجراءات ميزانية عاجلة لتمويل دعم الطاقة والوقود. ومن المقرر تطبيق تخفيضات ضريبية هذا العام.

ويبدو أن موقفها الثابت في مواجهة الضغوط الاقتصادية العقابية من بكين، وتعهدها بالوقوف إلى جانب تايوان في حال نشوب صراع عسكري مع الصين، يحظى أيضًا بشعبية واسعة. يضاف إلى ذلك، النفَس الجديد الذي أدخلته على المشهد السياسي الياباني، الذي كان تاريخيًا حكرًا على الرجال المسنين. وفي مثال على ذلك، عزفت تاكايتشي والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ على الطبول معًا خلال قمة رسمية عقدت يوم الثلاثاء.

ويعلق خبير الشؤون اليابانية كلاين على هذا الأمر بالقول: “إن صورة القائدة، المرأة الحاسمة التي تقود البلاد، قد تصرف الانتباه عن نقاش موضوعي حول سجل أدائها منذ توليها المنصب”. ويضيف: “حملات الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما تكون أكثر قدرة على تحفيز الناخبين من الحقائق الجافة”.

انهيار ائتلاف مصيري يولد تهديدًا سياسيًا جديدًا

ومع ذلك، يشير المحللون إلى مخاطر محتملة تواجه تاكايتشي. يتمثل الخطر الأول في أن شعبيتها لم تنتقل بعد إلى حزبها. فالحزب الليبرالي الديمقراطي، الغارق في فضائح تتعلق بحسابات سرية مليئة بأموال حملات غير مشروعة، بالإضافة إلى علاقات الحزب بكنيسة التوحيد الكورية الجنوبية، يشهد تراجعًا في دعم الناخبين.

اجتمعت تاكايتشي مع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (يسار) في أوائل يناير.

فقد ساعد أعضاء كنيسة التوحيد الحزب الليبرالي الديمقراطي في حملته الانتخابية خلال انتخابات عام 2024، بينما تجاهل قادة الحزب فضيحة التبرعات السياسية. وخلال الأشهر الثلاثة التي تلت تولي تاكايتشي منصبها، حافظ الحزب على نسبة تأييد راكدة بلغت 30% في استطلاعات الرأي.

أما الخطر الثاني، فقد تجلى يوم الخميس الماضي، عندما أعلن أكبر حزبين معارضين في اليابان عن تشكيل “اتحاد الإصلاح الوسطي”. يضم هذا التحالف الحزب الدستوري الديمقراطي الياباني الأكبر، وهو ذو توجه اشتراكي ديمقراطي، وحزب كوميتو الليبرالي المعتدل. ويهدف التحالف إلى خوض انتخابات فبراير تحت راية واحدة، مقدمًا نفسه كبديل وسطي لحكومة تاكايتشي المحافظة.

يعارض الحزب الدستوري الديمقراطي وحزب كوميتو تغيير دستور اليابان السلمي تقليديًا، كما أنهما يشككان في جدوى الطاقة النووية. وعلى عكس الحزب الليبرالي الديمقراطي الصديق للأعمال، يؤكد التحالف الجديد على دعم “اقتصاد يحترم الناس” وتوسيع دولة الرفاهية لصالح الفئات المحرومة. كما يؤيدان تغيير قوانين الزواج اليابانية للسماح بمرونة أكبر فيما يتعلق باختيار الألقاب.

المثير في هذا التطور الجديد هو أن حزب كوميتو كان شريكًا ائتلافيًا للحزب الليبرالي الديمقراطي لمدة 26 عامًا. لكن كوميتو تخلى عن الحزب الليبرالي الديمقراطي في أكتوبر الماضي، مما أدى إلى انهيار الائتلاف بسبب خلافات مع تاكايتشي حول تمويل الحزب والسياسة الأمنية.

تاريخيًا، استفاد الحزب الليبرالي الديمقراطي الأكبر من اتفاقيات انتخابية ناجحة مع شريكه الأصغر. ففي الدوائر التي لم يكن فيها مرشحون لحزب كوميتو، كان يُطلب من أنصار الحزب البوذيين من جماعة سوكا غاكاي التصويت للحزب الليبرالي الديمقراطي. وبالمقابل، كان الحزب الليبرالي الديمقراطي يوجه ناخبيه للتصويت لصالح كوميتو في الدوائر ذات التمثيل النسبي.

وتقدر صحيفة “نيهون كيزاي شيمبون” اليابانية أن هذا الترتيب أضاف 25 مقعدًا إلى إجمالي نتائج الحزب الليبرالي الديمقراطي في الانتخابات الماضية. وحذر كلاين من أن “نقص الدعم من كوميتو قد يكلف الحزب الليبرالي الديمقراطي الكثير من المقاعد، إذا لم تتمكن ‘جاذبية’ تاكايتشي من حشد كتل ناخبين أخرى لتعويض خسارة شريكها الائتلافي القديم”.

مقالات ذات صلة