النمو الاقتصادي السعودي: توقعات متفائلة وإنفاق ذكي
المملكة تتجاوز التوقعات بفضل القطاعات غير النفطية وتتبنى استراتيجية إنفاق موجه

تتوقع المملكة العربية السعودية تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ بنسبة 5.1% خلال عام 2025، وذلك وفقًا لتصريحات وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم. يمثل هذا الرقم ارتفاعًا عن التقديرات الأولية التي كانت تشير إلى 4.4% ضمن البيان التمهيدي لميزانية عام 2026، مما يعكس تفاؤلًا متزايدًا بشأن مسار التعافي والتوسع الاقتصادي في البلاد.
وأوضح الإبراهيم، خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، أن المحرك الرئيسي لهذا النمو هو الأداء القوي للقطاعات غير النفطية، التي يتوقع أن تسجل نموًا بنسبة 3.8%. هذا التطور يؤكد نجاح استراتيجية المملكة في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، حيث تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للأنشطة غير النفطية حاجز 56% من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لأول مرة في تاريخها.
تأتي هذه التوقعات الجديدة بعد أن كانت السعودية قد رفعت تقديراتها لنمو اقتصادها للعام المقبل إلى 4.6%، مقارنة بـ 3.5% في تقديرات سابقة، وهو ما يعكس الاتجاه التصاعدي المستمر. هذا الارتفاع المتتالي يعزز الثقة في قدرة الأنشطة غير النفطية على قيادة عجلة النمو الاقتصادي السعودي وتحقيق مستهدفات رؤية 2030 الطموحة.
على صعيد الميزانية، تشير التوقعات إلى تسجيل عجز بقيمة 165 مليار ريال للعام المقبل، وهو ما يتجاوز التقديرات الأولية البالغة 130 مليار ريال التي أُعلنت عند اعتماد ميزانية 2025 في نوفمبر الماضي. هذا التوسع في العجز قد يشير إلى زيادة في الإنفاق الحكومي الموجه نحو المشاريع التنموية الكبرى، أو تأثر ببعض المتغيرات الاقتصادية العالمية.
إنفاق أكثر ذكاءً
وفي سياق متصل، شدد الإبراهيم على أن المرحلة القادمة سترتكز على مفهوم الإنفاق الذكي والموجه، والذي يهدف إلى تحقيق إصلاحات هيكلية تعزز من استدامة وجودة النمو الاقتصادي السعودي. وأكد أن حجم العمل المطلوب إنجازه قبل عام 2030 يفوق ما تحقق حتى الآن، مشيرًا إلى أن السياسات المستقبلية ستربط الإنفاق بالإنتاجية، وليس مجرد ضخ الأموال، مما يعكس رؤية واضحة لتحقيق أقصى عائد من كل ريال يتم إنفاقه.
تأتي هذه التوجهات متوافقة مع ما أكده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في سبتمبر الماضي، حيث شدد على أن المصلحة العامة تمثل البوصلة الأساسية التي توجه كافة البرامج الاقتصادية للمملكة. هذا التأكيد يرسخ مبدأ المرونة الحكومية والاستعداد لإجراء “أي تعديل جذري” أو حتى “إلغاء كامل” لأي برنامج لا يخدم الأهداف الوطنية العليا، مما يضمن كفاءة وفعالية الإنفاق العام.
وفي كلمته أمام مجلس الشورى، أوضح ولي العهد أن الحكومة تواصل “تقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق العام” لضمان توجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية الأكثر إلحاحًا. هذا النهج يؤكد التزام المملكة بمراجعة مستمرة للبرامج والسياسات، وعدم التردد في إعادة هيكلتها أو إلغائها إذا لم تحقق النتائج المرجوة، مما يعكس جدية في تحقيق المنفعة الوطنية القصوى.
وفي سياق دولي، أشادت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مطلع الشهر الحالي، بإعادة تقييم السعودية لخطط الإنفاق على المشاريع. واعتبرت غورغييفا أن هذه الممارسة “ضرورية للمالية العامة” وتساهم في “زيادة ثقة أسواق المال بالبلد”، مؤكدة أن “الأسواق تكافئ الدول المنضبطة ماليًا”. هذا الدعم الدولي يعزز من مصداقية التوجهات السعودية نحو الاستدامة المالية والحوكمة الرشيدة.







