عرب وعالم

القطب الشمالي: ساحة حرب تبتلع التكنولوجيا وتتحدى القوى الكبرى

الظروف القاسية والتشويش الجيوسياسي يعرقلان التقدم العسكري في أقصى الشمال

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

بات الاعتماد على المُسيرات والروبوتات في ساحات القتال، بدلاً من العنصر البشري، يشكل ركيزة أساسية في الحروب الحديثة، ويبدو هذا التوجه منطقياً بشكل خاص في المساحات الجليدية الشاسعة للقطب الشمالي. إلا أن فعالية التكنولوجيا المتقدمة تتضاءل كلما اقتربت العمليات من هذه المنطقة القطبية. فالعواصف المغناطيسية تشوه إشارات الأقمار الاصطناعية، فيما تستنزف درجات الحرارة المتجمدة البطاريات وتجمد المعدات في غضون دقائق، بينما تعجز أنظمة الملاحة عن إيجاد نقاط مرجعية وسط الحقول الثلجية المترامية الأطراف، بحسب ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال”.

القطب الشمالي.. خصم لا يرحم

في مناورة قطبية جرت بكندا مطلع العام الجاري، بمشاركة سبع دول لاختبار معدات عسكرية تقدر قيمتها بملايين الدولارات، تعرضت مركبات الجيش الأميركي البرمائية المصممة للعمل في القطب الشمالي لعطل مفاجئ بعد نصف ساعة فقط من بدء التشغيل. ويعود سبب العطل إلى تجمد السوائل الهيدروليكية بفعل البرد القارس.

كذلك، واجه الجنود السويديون المشاركون في التدريب مشكلة مع أجهزة الرؤية الليلية، التي تبلغ قيمة الجهاز الواحد 20 ألف دولار، حيث توقفت عن العمل بسبب عدم قدرة الألمنيوم المستخدم في تصنيعها على تحمل درجات حرارة وصلت إلى 40 درجة فهرنهايت تحت الصفر.

وفي هذا السياق، صرح إريك سليسينجر، الضابط السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، بأن “القطب الشمالي هو الخصم الأقوى”. ويدير سليسينجر حالياً شركة رأس مال مغامر تستثمر في شركات دفاعية ناشئة، من بينها تلك التي تركز على تطوير تقنيات القتال في البيئة القطبية.

وبينما تعتمد القوات المسلحة في أوكرانيا على معدات متوفرة تجارياً، بدءاً من مصادر الطاقة وأدوات الاتصال وصولاً إلى المواد الكيميائية ومواد التشحيم، فإن استخدام هذه الأساسيات في القطب الشمالي يستدعي في الغالب إعادة هندسة شاملة.

تتزايد حدة التنافس بين القوى الكبرى في أقصى الشمال، مدفوعة بتغير المناخ الذي يفتح ممرات بحرية جديدة ويسهل الوصول إلى الموارد الطبيعية الوفيرة. وتتمتع روسيا بتفوق عسكري واضح في المنطقة، حيث تمتلك قوات غواصات نووية، وقواعد صاروخية، ومطارات، وموانئ في شبه جزيرة كولا. كما يمر أقصر مسار جوي لصواريخ كروز الروسية الفرط صوتية من الجيل الجديد، المتجهة نحو أميركا الشمالية، فوق القطب الشمالي.

تحديات بيئية تعرقل العمليات العسكرية

من بين الدول الثماني التي تقع أراضيها ضمن الدائرة القطبية الشمالية، تُعد روسيا الوحيدة التي لا تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويتركز القلق الأساسي للولايات المتحدة وكندا، من بين أعضاء الحلف، على التهديد الصاروخي الروسي. في المقابل، تشكل الحدود المشتركة بين فنلندا والنرويج وروسيا مصدر قلق أكبر لهما، نظراً لاحتمال التوغل البري.

وتشير “وول ستريت جورنال” إلى أن أي صراع محتمل في القطب الشمالي سيدفع بالمخططين العسكريين إلى العودة للأساسيات. فالبرودة الشديدة تجعل المكونات الشائعة هشة، وتؤثر درجات الحرارة المنخفضة على الخصائص الفيزيائية للمطاط، مما يؤدي إلى فقدان موانع التسرب لمرونتها وحدوث تسربات.

كما يتجمد أي أثر للمياه أو الرطوبة، متحولاً إلى بلورات جليدية قادرة على خدش المضخات والتسبب في انسدادات خطيرة. ويستلزم الأمر عزل الأسلاك باستخدام مادة السيليكون بدلاً من مادة PVC التي تتشقق بسهولة في هذه الظروف.

وتزداد كثافة الزيوت ومواد التشحيم الأخرى لتصل إلى حد التجمد. ففي معظم الأنظمة الهيدروليكية القياسية، يتحول السائل إلى مادة لزجة تؤثر على كل شيء، من أدوات التحكم في الطائرات إلى منصات إطلاق الصواريخ وأبراج الرادار. ويمكن لتجمد واحد أن يعطل منصة تسليح بأكملها أو يشل حركة قافلة كاملة.

وعلى الرغم من كونها عامل جذب سياحي رئيسي في القطب الشمالي، تمثل الأضواء الشمالية، أو ما يُعرف بظاهرة الشفق القطبي (أورورا بورياليس)، إزعاجاً كبيراً للمخططين العسكريين. تنشأ هذه الظاهرة نتيجة تفاعل الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس مع المجال المغناطيسي للأرض، والذي يبلغ ذروته عند القطبين. وهذا التفاعل يتسبب في تداخل الاتصالات اللاسلكية وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، التي توفر بيانات تحديد الموقع والتوقيت الضرورية.

ابتكارات القطاع الخاص: دروس من أوكرانيا وتحديات القطب

تبرز حرب أوكرانيا درساً مهماً حول الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه الشركات الناشئة الخاصة في دفع عجلة الابتكار بالتعاون مع الحكومات. وفي هذا السياق، أسس المستكشفان البريطانيان بن ساندرز وفريدريك فينيسي في وقت سابق من هذا العام شركة “أركتيك ريسيرش آند ديفيلوبمنت” (Arctic Research and Development). تهدف هذه الشركة الناشئة إلى نشر أنظمة ذاتية التشغيل مصممة خصيصاً للمناطق القطبية.

ويصف ساندرز وفينيسي، اللذان قطعا معاً مسافة تقدر بنحو 7500 ميل على الزلاجات في القطب الشمالي، عملية تصميم التكنولوجيا لأقصى الشمال بأنها أشبه ببناء برنامج فضائي مصغر. ويضم فريق عمل الشركة موظفين من ذوي الخبرة في أبحاث الفضاء، والاستخبارات، وعلوم المناخ، والقطاع العسكري، وكان سليسينجر، المستثمر في رأس المال المغامر، من أوائل الداعمين لها.

تعمل الشركة على تطوير برمجيات مخصصة للاستخدام في القطب الشمالي، بالإضافة إلى خرائط افتراضية تعرض المنطقة بدقة أعلى بكثير من إسقاطات “مركاتور” الشائعة التي تشوه المسافات في المناطق القطبية. وتُجرى اختبارات المعدات داخل مُجمد صناعي كبير يقع في ريف إنجلترا، حيث يمكن تعريض الأجهزة لدرجات حرارة تصل إلى 94 درجة فهرنهايت تحت الصفر.

يتساءل ساندرز: “كيف تمكنا من تشغيل مركبة بيرسيفيرانس الجوالة على سطح المريخ لسنوات وهي ترسل البيانات بسلاسة، ولم نتمكن بعد من نشر مركبة ذاتية التشغيل في القطب الشمالي؟”. ويضيف: “على مدى جزء كبير من تاريخ البشرية، كانت تلك مناطق مجهولة على الخرائط”.

ومن بين المنتجات التي تطورها الشركة، صندوق برتقالي اللون بحجم حقيبة سفر يُعرف باسم “آيس لينك” (Icelink). هذا الجهاز هو مركز اتصالات عالي السعة لا يتجاوز وزنه 40 رطلاً، ويحتوي على هوائيات لنظام تحديد المواقع وبطاريات متخصصة تدوم لأيام.

ويُدرك ساندرز أهمية اختبار أدق التفاصيل تحت الضغط. ففي إحدى رحلاته الفردية إلى القطب الشمالي، تعرض جزء من رابط زلاجته للكسر، مما اضطره إلى إلغاء الرحلة بالكامل، متكبداً خسارة تجاوزت 200 ألف دولار.

طائرات مُسيرة وراديو: معوقات لوجستية في القطب

تفرض الظروف الجوية القاسية في القطب الشمالي طبيعة مختلفة لأي صراع محتمل، مقارنة بمناطق أخرى. ففي أوكرانيا، أنتج مصنعو الطائرات المُسيرة مئات الآلاف من الطائرات الرباعية الصغيرة والرخيصة التي تعتمد على الاتصالات الرقمية لتحديد الأهداف. إلا أن هذه الطائرات لن تكون فعالة في القطب الشمالي، حيث تتطلب المُسيرات أنظمة لإزالة الجليد، ومحركات قوية لمواجهة الرياح العاتية، وتشغيلها بوقود الطائرات أو الديزل بدلاً من البطاريات. وغالباً ما تكون هذه الطائرات كبيرة الحجم لدرجة تستدعي مقطورة أو مدرجاً خاصاً لإطلاقها.

ويعتبر تشغيل أجهزة الراديو بحد ذاته “كابوساً لوجستياً”. ففي إحدى الحالات، تواصلت شركة خاصة مؤخراً مع الجيش السويدي لعرض شاحن بطاريات يُجر على زلاجة. لكن وزنه، الذي تجاوز 400 رطل، كان سيجعله عالقاً في أول طبقة من الثلوج الناعمة.

وفي هذا الصدد، أفاد فريدريك فلينك، قائد جناح التدريب الدولي في مركز الحرب شبه القطبية بشمال السويد، بأن “المشكلة الحالية تكمن في أن العديد من العاملين في القطاع الصناعي لا يدركون الاحتياجات الحقيقية للجنود على أرض الواقع”. وأضاف أن أفكارهم “قابلة للتنفيذ نظرياً، لكنها غير عملية”. وتابع فلينك قائلاً: “لدينا نحن أيضاً على الأرض تصور عما نريده”، لكنه أقر بأن تلك الأفكار “قد لا تكون واقعية تقنياً”.

وعلى مدى ثلاثة فصول شتاء متتالية، قدم مركز الحرب شبه القطبية ملاحظاته لشركة أميركية تعمل على تطوير نوع جديد من زلاجات التزلج الريفي، مزودة بروابط مصممة خصيصاً لتتحمل ضغط عمل الجنود في الميدان دون أن تنكسر.

الذكاء الاصطناعي والتشويش: تحديات إضافية

تؤكد الصحيفة أن فاعلية الذكاء الاصطناعي تظل “محدودة” في القطب الشمالي. ففي أوكرانيا، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع عملية اتخاذ القرار من خلال معالجة كميات هائلة من البيانات. وتتميز المناطق الشرقية من أوكرانيا بكثافة سكانية تفوق بنحو 50 مرة كثافة مناطق القطب الشمالي في إسكندنافيا وفنلندا، حيث لا يتجاوز متوسط عدد السكان 5 أشخاص لكل ميل مربع.

وتضم هذه المناطق الأوكرانية شبكات طرق وسكك حديدية واسعة، بالإضافة إلى منشآت لإنتاج الطاقة وصناعات ثقيلة. أما في حال تحول القطب الشمالي إلى ساحة قتال، فإن غياب هذه المقومات سيحد بشكل كبير من كمية البيانات المتاحة لأنظمة الذكاء الاصطناعي.

وتتفاقم آثار التشويش المتعمد في القطب الشمالي. فالأقمار الاصطناعية التي تدور حول خط الاستواء غالباً ما تحجبها انحناءات الأرض في أقصى الشمال، مما يقلل من عدد الأقمار المرئية مقارنة بمناطق أخرى من العالم. وهذا يجعل التشويش، الذي يُعد مصدر إزعاج في أماكن أخرى، تهديداً خطيراً للسلامة في هذه المنطقة.

في عام 2019، سجلت هيئة الاتصالات النرويجية Nkom ست حالات فشل في نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في شرق إقليم فينمارك شمال البلاد، المتاخم لروسيا. وفي عام 2022، وهو العام الذي شهد الغزو الروسي لأوكرانيا، ارتفع هذا العدد إلى 122 حالة. ومنذ أواخر عام 2024، أصبح التشويش متكرراً لدرجة دفعت الهيئة إلى التوقف عن إحصائه.

وعلق إسبن سليته، رئيس إدارة الطيف الترددي في Nkom، قائلاً: “يجب تقبل أن هذا هو الواقع، والبحث عن حلول”.

وفي إطار البحث عن حلول، اجتمع ممثلون عن أكثر من 100 شركة في جزيرة أندويا النرويجية خلال سبتمبر الماضي، للمشاركة في فعالية “جامر تست” (Jammertest). يشهد هذا الحدث السنوي اختبار معدات متنوعة، تشمل طائرات مُسيرة وساعات ذرية وهوائيات ورقائق إلكترونية، في مواجهة التشويش ضمن المناخ القاسي للقطب الشمالي.

وتعتقد هايدي أندرياسن، الشريكة المؤسسة لشركة “تيستنر” (Testnor) المنظمة للفعالية، أن التشويش لا يمثل عملاً عدائياً روسياً مباشراً، بل هو نتيجة جانبية لجهود موسكو الرامية إلى حماية أصولها العسكرية في شبه جزيرة كولا القريبة من هجمات الطائرات المُسيرة.

وأضافت أندرياسن: “في القطب الشمالي، ومع الظروف الجوية القاسية وانعدام خط الرؤية، يمكن أن يصبح التشويش مسألة حاسمة”. واختتمت حديثها بالقول: “قبل سنوات قليلة، لم يكن أحد يهتم بهذا الأمر لأنه كان نادراً، لكنه اليوم أصبح مشكلة يومية”.

مقالات ذات صلة