الفيلم الكوري “The Great Flood”: صراع الإنسان والذكاء الاصطناعي في مواجهة كارثة الطوفان
رحلة آنا لإنقاذ البشرية وحماية ابنها في فيلم يدمج الخيال العلمي والكوارث ببراعة

يغوص الفيلم الكوري “The Great Flood” في أقصى درجات كارثة الفيضان، مقدمًا رعبًا مزدوجًا تعيشه البطلة والناجون وهم يبحثون عن مخرج في مبنى سكني معزول بفعل المياه. هذا العمل السينمائي يمثل عنصرًا أساسيًا في أفلام الكوارث، ويبرز كنموذج للتشويق المحكم، حيث يكشف عن الطبيعة البشرية في مواقف لا مفر منها، حيث تتضاءل الموارد والوقت إلى أقصى حد.
يعد “The Great Flood” فيلم خيال علمي كارثي يتناول موضوعات الذكاء الاصطناعي، وتطور الحب الأمومي، والتعلم العميق. تدور أحداثه في اليوم الأخير للأرض بعد فيضان مدمر، ويروي قصة آنا، الباحثة التي اختيرت لإنقاذ الكوكب، وهي تكافح لحماية ابنها الصغير. الفيلم من بطولة كيم دا مي، وبارك هاي سو، وكوون إيون سونج، ومن إخراج كيم بيونج وو.
حقق الفيلم نجاحًا لافتًا، وأظهر إمكانات الأفلام الكورية، متصدرًا قوائم المشاهدة على منصة نتفليكس في أكثر من دولة.
حجم الكارثة يتضاءل أمام صراع الإنسان
يفتتح الفيلم بتهديد مفاجئ يقلب الحياة اليومية رأسًا على عقب. مع تفاقم الكارثة، تجد الشخصيات نفسها محاصرة في مساحات ضيقة، حيث يتفاعل كل فرد مع الموقف بطريقته الخاصة. “The Great Flood” لا يركز على ضخامة الكارثة أو مؤثراتها البصرية فحسب، بل يتعمق في القرارات والمواقف الإنسانية تحت هذه الظروف القاسية.
تبرز كيم دا مي كشخصية محورية، تقود الأحداث وتؤدي دورها ببراعة وسط الفوضى العارمة. في المقابل، يمثل بارك هاي سو، الشخصية الرئيسية الأخرى، نقطة تباين واضحة مع خيارات كيم دا مي وأفعالها، مما يولد توترًا دراميًا داخليًا. يثري أداء الممثلين السرد من خلال تجسيدهما لمشاعر ومواقف متباينة في خضم الكارثة المشتركة.
رغم التزامه بقالب أفلام الكوارث، يتميز “The Great Flood” ببنية درامية تركز على علم النفس البشري وديناميكية العلاقات. يشكل القلق والمسؤولية، والصراع والتعاون التي تتجلى في مواجهة الأزمات الحادة، المحور السردي للفيلم. مع تقدم الأحداث، تتطور العلاقات بين الشخصيات، مما يدفع الفيلم لتجاوز مجرد تصوير كارثة، ليقدم سردًا عميقًا يتمحور حول الإنسان.
خيارات صعبة في مواجهة الطوفان
في صباح يوم مشؤوم، يضرب الفيضان، فيغمر بسرعة منزل آنا وجاين. يصعد الاثنان إلى أعلى المبنى الشاهق، لكن سلسلة من الحوادث تفرض عليهما التوقف. السلالم تمتلئ بالناس وأكوام الأمتعة، وتنفجر أنابيب الغاز في كل شقة، لتزيد من حدة الموقف.
تجد آنا نفسها أمام خيارات متواصلة وصعبة، حيث تصادف امرأة حامل على وشك الولادة، وطفلاً محاصراً داخل مصعد، وزوجين مسنين يواجهان صعوبة في الحركة.
يكشف “The Great Flood” في إحدى مراحله أن آنا باحثة تعمل على مشروع لاستنساخ البشرية باستخدام كائنات اصطناعية تتمتع بمشاعر إنسانية. نظرًا لدورها المحوري في هذه الكارثة، يُكلف خبير الأمن هي جو (بارك هاي سو) بحمايتها. بعد نجاتها، تجدد آنا عزمها على إنقاذ البشرية.
تتكشف أحداث النصف الثاني من القصة، حيث يتمحور السرد حول “حب الأم”. يتحول الفيلم هنا من قصة إثارة للبقاء على قيد الحياة إلى لغز معقد من الخيال العلمي.
في الواقع، يصعب تصنيف “The Great Flood” بدقة. ظاهريًا، ينتمي الفيلم إلى نوع سينمائي معقد، حيث إن تحوله النوعي جذري لدرجة أن الكثيرين توقعوا فيلم كارثة تقليديًا عن النجاة من طوفان عظيم. لكنه يدمج نوعين سينمائيين في إطار واحد، وهو ما يتطلب مهارة فائقة في كتابة السيناريو.
يبرز الفيلم فكرة ضمنية تتمثل في تعليم الذكاء الاصطناعي (ChatGPT) ماهية المشاعر الإنسانية، مع التركيز على حب الأم كمثال. هذا التعليم لا يتم عبر النصوص، بل من خلال لعب الأدوار، مما يمنح “The Great Flood” إحساسًا بخوض لعبة مليئة بالتحديات.
وهكذا، تجد آنا نفسها مضطرة لإنقاذ الطفل عبر عملية شاقة تتطلب عشرات الآلاف من دورات التعلم المتكررة.
“قاعدة العشرة آلاف ساعة” وتطور المشاعر
في الواقع، قد تسبب القفزات الكبيرة والتجسيدات المصطنعة خلال هذه العملية بعض الارتباك للمشاهد. هذه مشكلة هيكلية تنبع من عدم تخصيص وقت كافٍ في الفيلم لهذه العملية. بدلًا من ذلك، ركز الفيلم على تجارب آنا وأخطائها التي لا تُحصى، والتي تتجسد في الأرقام المطبوعة على قميصها.
لقد كان الأسلوب الذي عبر به الفيلم عن “قاعدة العشرة آلاف ساعة” من خلال أرقام ملموسة جميلًا ومبتكرًا. يُعتقد أن الرقم الأخير على قميص آنا يعكس تطورها واستيقاظها النهائي على المشاعر الإنسانية.
الفيضان: سيناريو واقعي ومعضلات أخلاقية
يطرح فيلم “The Great Flood” بعضًا من أبرز الأسئلة العلمية التي تواجه البشرية حاليًا. عندما تُحاصر البطلة بفيضان مدمر، تلجأ إلى محاكاة بالذكاء الاصطناعي لضمان النجاة. ومع كل تكرار للمحاكاة، تتخذ خيارًا مختلفًا، مما يؤدي إلى نتائج متباينة بشكل كبير.
هنا يبرز التساؤل: عندما تتعارض استراتيجية النجاة المثلى التي يقترحها الذكاء الاصطناعي مع الحدس البشري، فأي الخيارين هو الصواب؟
يجسد هذا التساؤل المعضلة الأساسية التي تواجه العلم والتكنولوجيا المعاصرين. لذا، لا يكتفي الفيلم بعرض الكارثة كحدث استعراضي، بل يتناولها كسيناريو واقعي يستند إلى أدلة علمية.
إن حالات الكوارث المصورة في الفيلم ليست مجرد خيالات جامحة، بل هي سيناريوهات مستقبلية قريبة قابلة للتحقق علميًا. وتعتمد النجاة هنا على المعضلات الأخلاقية الجماعية، لا على البطولة الفردية.
الحقائق العلمية وراء الفيضان العارم
المشهد الافتتاحي للفيلم، الذي يصور هطول الأمطار وانهيار الأنهار الجليدية الضخمة في القارة القطبية الجنوبية، ليس مجرد خيال علمي. للأسف، تكشف أحدث الأبحاث العلمية القطبية عن حقائق أكثر خطورة بكثير مما عرضه الفيلم.
بينما يصور سيناريو الفيلم غرق مدينة بأكملها في غضون ساعات، تشير الحقائق العلمية إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر نتيجة انهيار الأنهار الجليدية ظاهرة تدريجية تستغرق عقودًا. ومع ذلك، يمكن أن تحدث فيضانات عارمة في فترة وجيزة إذا اقترن ذلك بإعصار أو عاصفة مدّية.
جاءت المؤثرات الخاصة في الفيلم مرضية للغاية، حيث جسدت مشاهد لا حصر لها تحت الماء، ودمارًا واسع النطاق، وحتى رحلة الفضاء والعالم الداخلي، بشكل حيوي ومتقن بفضل مصممي المؤثرات الخاصة.
يكمن مفتاح التفسير العلمي لظاهرة “الحلقة الزمنية” المحورية في الفيلم في كون البطلة، آنا، باحثة في مجال الذكاء الاصطناعي. في هذا السياق، يمكن تفسير تجربتها المتكررة زمنيًا بطريقة مبتكرة، حيث يقوم نظام التنبؤ بالكوارث الذي طورته، والمعتمد على الذكاء الاصطناعي، بنقل آلاف السيناريوهات مباشرة إلى دماغها عبر واجهة بين الدماغ والكمبيوتر.
هنا يبدأ الصراع الحقيقي: التصادم بين “الحل الأمثل” الذي يحسبه الذكاء الاصطناعي، و”الخيار الصحيح” الذي يدركه البشر.
بشكل متناقض، تعد أكثر لحظات الفيلم توترًا هي الأكثر هدوءًا. ففي المواقف التي تتطلب اتخاذ قرار بشأن من سينجو أولاً مع فرص إنقاذ محدودة، يقدم الذكاء الاصطناعي الخاص بآنا حلاً مثاليًا من الناحية الرياضية، لكن هذا الحل غالبًا ما يتعارض مع الحدس البشري.
الخيار البشري يتفوق على منطق الذكاء الاصطناعي
في الفيلم، يختلف خيار آنا النهائي، الذي اتخذته بعد عشرات المحاكاة، عن الحل الأمثل الذي اقترحه الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذا الخيار قد يبدو غير فعال رياضيًا، إلا أنه أكثر جدوى من وجهة نظر إنسانية.
هذه ليست مجرد نهاية سينمائية، بل هي أيضًا إجابة على سؤال جوهري يواجهنا جميعًا في عصر الذكاء الاصطناعي.
يتميز “The Great Flood” بكونه لا يعتمد على السرد البطولي الفردي، بل يرتكز على الأخلاق الجماعية. صُمم البناء الدرامي بحيث لا تُحل المشاكل بتضحية فرد واحد، بل من خلال التنازلات ومراعاة الجميع.
بينما قد تبدو الجهود الفردية بلا جدوى أمام كارثة طبيعية هائلة، يوصل الفيلم رسالة مفادها أن تراكم الخيارات الصغيرة هو ما يحدد مستقبل البشرية.
يمكن فهم بنية الفيلم ذات “الحلقة الزمنية” في هذا السياق، حيث تشير إلى أن التحسين التدريجي عبر التجربة والخطأ المستمرين، بدلاً من اختيار حل واحد مثالي، هو المسار الأكثر واقعية.
في الختام، السؤال الجوهري الذي يطرحه فيلم “The Great Flood” لا يدور حول إمكانات التكنولوجيا، بل حول الاختيار البشري ذاته.
ففي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي حساب كل نتيجة محتملة، هل يظل بإمكان البشر اتخاذ خياراتهم بناءً على معاييرهم الخاصة؟ وهل يمكن لمثل هذه الخيارات أن تحمل معنى حقيقيًا؟









