الفيروسات لا تنتظر طفرة جينية.. نحن من نقتحم “عش الدبابير” بأيدينا
تحليل يكشف عن دور حاسم للتدخل البشري في انتشار الأوبئة وتداعيات ذلك على فهم نشأة كوفيد-19

انتهت أسطورة “الفيروس الخارق” الذي يطور نفسه في الخفاء ليغزونا. الحقيقة المزعجة التي كشفتها دراسة حديثة هي أن الفيروسات لا تحتاج أصلاً لتذكرة دخول جينية معقدة لتقتحم أجسادنا. نحن من نذهب إليها في عقر دارها، نكسر الأبواب، ثم نتساءل بذهول: كيف وصلنا إلى حافة الوباء؟ الكارثة تبدأ من سلوكنا اليومي، لا من مختبرات الطبيعة الغامضة.
الواقع أننا نسهل المهمة على مسببات الأمراض بشكل يدعو لليأس. تدمير الغابات، تجارة الحيوانات البرية، والزحف العمراني الذي لا يتوقف؛ كل هذا جعلنا وجهاً لوجه مع كائنات مجهرية كان من المفترض أن تظل معزولة في أعماق الطبيعة. الفيروسات لا تبحث عنا. نحن من نقتحم موائلها ونوفر لها ممرات عبور آمنة. التنوع البيولوجي كان يعمل كحاجز صد طبيعي، وبمجرد أن دمرناه، أصبحنا الهدف التالي مباشرة.
فيروس نيباه هو أحدث مسببات الأمراض الحيوانية التي وضعت العالم في حالة تأهب. (RUSLANAS BARANAUSKAS/Science Photo Library/Getty Images)
فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، بقيادة البروفيسور جويل ويرثايم، شرح التاريخ الجيني لفيروسات فتاكة مثل إيبولا، ماربورغ، وسارس. النتيجة كانت قاطعة: هذه الفيروسات كانت “جاهزة” تماماً قبل قفزتها الكبرى للإنسان. لم تكن هناك استعدادات جينية خاصة. الضغط التطوري لم يظهر إلا بعد أن استوطن الفيروس في أجسادنا وبدأ ينتشر بيننا فعلياً. الفيروس كان ينتظر الفرصة فقط، ونحن قدمناها له على طبق من ذهب.
هنا تظهر نقطة فاصلة. التحليل الجيني يبرئ فيروس “سارس-كوف-2” (كورونا) من تهمة التصنيع المخبري، مؤكداً أنه قفز بشكل طبيعي. لكن التاريخ لا يرحم؛ ففي عام 1977، عاد فيروس H1N1 للظهور بشكل مريب بعد غياب عقدين. التحليلات تشير بوضوح إلى أن تلك السلالة كانت تشبه نسخاً مخبرية قديمة، ربما تسربت خلال تجربة لقاح فاشلة في الاتحاد السوفيتي أو الصين وقتها. نحن أمام خطرين: طبيعة نعبث بحدودها، وأخطاء بشرية داخل المختبرات لا يمكن تجاهلها.
ويرثايم يرى أن قصة إنفلونزا 1977 تفتح أعيننا على حقائق مزعجة. النتائج تعيد ترتيب أولوياتنا؛ فبينما يغرق البعض في نظريات المؤامرة حول كورونا، يتجاهل الجميع أن الدليل العلمي يصب في مصلحة المنشأ الطبيعي. غياب أي إشارة للانتقاء الاصطناعي في جينوم كورونا هو أقوى دليل على أنه نتاج “تجاوز” حيواني، تماماً كما حدث مع مئات الفيروسات قبله. الفيروس لا يحتاج لمهندس وراثي، يحتاج فقط لبيئة مدمرة.
علينا التوقف عن انتظار “الطفرة القادمة”. الخطر ليس في الجينات، بل في الأسواق العشوائية المزدحمة وبالقضاء على الرئة الخضراء للكوكب. الوقاية الحقيقية لا تكمن في أنابيب الاختبار وحدها، بل في تغيير جذري لعلاقتنا بالبيئة. الوقت يداهمنا. الفيروسات لا تستأذن أحداً، طالما أننا من يكسر الأقفال.









