الفيدرالي الأمريكي على أعتاب قرار حاسم.. هل انتهى عصر التشديد الكمي؟
تحليل: لماذا يتجه البنك المركزي الأمريكي لوقف تقليص ميزانيته العمومية لتجنب اضطرابات الأسواق؟

يواجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال الفترة المقبلة قرارًا مصيريًا بشأن مستقبل محفظته المالية الضخمة، التي كوّنها على مدار سنوات كأداة لإدارة الاقتصاد. ويبدو أن المسار الأكثر أمانًا هو إنهاء سياسة الانكماش، المعروفة باسم التشديد الكمي، في أقرب فرصة ممكنة، وهو ما تشير إليه معظم التوقعات الحالية.
من التيسير إلى التشديد
لجأ البنك المركزي الأمريكي، بعد الأزمة المالية لعام 2008 ومرة أخرى خلال جائحة كورونا، إلى شراء كميات هائلة من سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري. هذه السياسة، التي عُرفت بـالتيسير الكمي، هدفت إلى ضخ سيولة نقدية وتحفيز الاقتصاد في وقت كانت فيه أسعار الفائدة قصيرة الأجل تقترب من الصفر.
بحلول مارس 2022، أدت هذه السياسة إلى وصول احتياطيات البنوك لدى الفيدرالي إلى أكثر من 4 تريليونات دولار. لكن مع تعافي النمو وارتفاع التضخم، عكس البنك مساره، وبدأ في رفع أسعار الفائدة وتقليص محفظته المالية، في عملية معاكسة تُعرف بـالتشديد الكمي، لينتقل من نظام “الاحتياطيات الوفيرة” إلى نظام “الاحتياطيات الوافية” الذي يضمن سيولة كافية للسوق.
مخاطر تكرار أزمة 2019
يقترب الفيدرالي الآن من نقطة توازن حساسة، حيث انخفضت احتياطيات البنوك إلى أقل من 3 تريليونات دولار، مما دفع سعر الفائدة الفعلي على الأموال الفيدرالية للارتفاع بشكل طفيف. هذا الوضع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يجب التوقف عند هذا الحد؟ يرى البعض، مثل نائبة رئيس الفيدرالي ميشيل بومان، ضرورة مواصلة تقليص الميزانية العمومية لتقليل تأثير البنك على الأسواق، والعودة لنظام “الاحتياطيات الشحيحة” الذي يعطي إشارات سوقية أوضح.
هذا الجدل ليس مجرد نقاش فني، بل يمس عصب استقرار النظام المالي. فالمضي قدمًا في التشديد الكمي قد يكرر اضطرابات سوق النقد التي حدثت في سبتمبر 2019، عندما أدى نقص السيولة إلى فوضى مؤقتة. إن دفع السوق إلى حافة الخطر يبدو مخاطرة غير ضرورية، خاصة وأن النظام الحالي الذي يوفر احتياطيات كافية يمنح البنوك استقرارًا أكبر ويجعل تنفيذ السياسة النقدية أكثر سلاسة، دون الحاجة إلى اختبار حدود تحمل السوق.
نهاية وشيكة وتحديات مستقبلية
تشير كل الدلائل إلى أن الفيدرالي سيعلن نهاية برنامج التشديد الكمي قريبًا جدًا، ربما خلال هذا الشهر. من المتوقع أن يعيد استثمار عائدات سندات الخزانة التي تستحق، بالإضافة إلى الدفعات المسبقة للأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، في سندات الخزانة قصيرة الأجل. هذه الخطوة ستعمل على استقرار حجم الميزانية العمومية دون التسبب في صدمات للأسواق المالية.
لكن حتى مع انتهاء هذه المرحلة، يظل أمام الفيدرالي عمل كثير. عليه أن يقدم تقييمًا شفافًا لجدوى سياسات الميزانية العمومية، خاصة وأن برنامج التيسير الكمي الأخير كلّف ما يقدر بتريليون دولار من دخل الفوائد الضائع. كما يجب على البنك توضيح رؤيته طويلة الأمد لشكل وحجم محفظته المالية، وكيفية إدارتها لضمان مواكبة عرض الاحتياطيات للنمو الاقتصادي المستقبلي.









