الفضة تحلق فوق 52 دولارًا مدفوعة بأزمة سيولة في لندن

في قفزة تاريخية، حطمت أسعار الفضة حاجز 52 دولارًا للأونصة، مسجلةً مستوى قياسيًا جديدًا لم يشهده السوق منذ عقود. ويأتي هذا الصعود مدفوعًا بمزيج من “ضغط قصير تاريخي” في بورصة لندن أدى إلى أزمة سيولة حادة، وتزايد إقبال المستثمرين على المعادن الثمينة كملاذ آمن في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
لندن.. قلب أزمة الإمدادات
تكمن جذور الأزمة الحالية في مخاوف متزايدة بشأن نقص السيولة في لندن، ما أطلق سباقًا عالميًا للحصول على سبائك الفضة المادية. وأدى هذا التكالب إلى وصول الأسعار المرجعية في العاصمة البريطانية إلى مستويات قياسية تقريبًا مقارنة بنيويورك، مما خلق فرصة نادرة للمراجحة دفعت المتعاملين لاتخاذ خطوات استثنائية.
وللاستفادة من فارق السعر الذي وصل إلى 3 دولارات الأسبوع الماضي قبل أن يتراجع إلى 1.55 دولار، لجأ بعض المتعاملين إلى حجز أماكن شحن على رحلات جوية عابرة للأطلسي. وتعتبر هذه الوسيلة، المكلفة عادةً والمخصصة لنقل الذهب، مؤشرًا واضحًا على مدى حدة أزمة المعروض التي يواجهها سوق الفضة في لندن.
وتفاقمت الأزمة مع ارتفاع معدلات تأجير الفضة، أي تكلفة اقتراض المعدن، إلى أكثر من 30% على أساس شهري. هذا الارتفاع جعل تجديد مراكز البيع القصيرة (المراهنة على انخفاض السعر) باهظ التكلفة، مما أجبر الكثيرين على الشراء بأسعار مرتفعة لتغطية مراكزهم، وهو ما يُعرف بـ “الضغط القصير” الذي غذى موجة الصعود.
خلفيات الاضطراب.. من الهند إلى واشنطن
لم تظهر هذه الأزمة من فراغ، فقد ساهم ارتفاع الطلب من الهند خلال الأسابيع الأخيرة في استنزاف مخزونات لندن من السبائك القابلة للتداول. ويأتي ذلك بعد موجة شحنات ضخمة من لندن إلى نيويورك في وقت سابق من العام، كانت مدفوعة بمخاوف من إدراج الفضة ضمن قائمة سلع قد تواجه رسومًا جمركية أمريكية، مما أحدث اضطرابًا في تدفق المعدن بين أكبر مركزين للتداول في العالم.
ورغم استثناء المعادن الثمينة رسميًا من الرسوم في أبريل، لا يزال القلق يسيطر على المتعاملين ترقبًا لنتائج تحقيق أمريكي بموجب المادة 232 بشأن “المعادن الحيوية”، والذي يشمل الفضة. هذا التحقيق أعاد إحياء المخاوف من فرض رسوم جديدة قد تؤدي إلى تفاقم شح السوق وتزيد من تعقيدات المشهد.
تحليل الخبراء وتوقعات المستقبل
يرى محللو “غولدمان ساكس” أن سوق الفضة، الذي يعد “أقل سيولة ويبلغ نحو تسع حجم سوق الذهب”، هو أكثر عرضة للتقلبات الحادة. وحذروا من أنه في غياب طلب قوي ومستمر من البنوك المركزية، كما هو الحال مع الذهب، فإن أي تراجع مؤقت في تدفقات الاستثمار في الفضة قد يؤدي إلى تصحيح حاد للأسعار بمجرد انحسار أزمة السيولة في لندن.
على الجانب الآخر، تبنى محللو “بنك أوف أميركا” نظرة أكثر تفاؤلاً، حيث رفعوا يوم الإثنين هدفهم السعري لنهاية عام 2026 إلى 65 دولارًا للأونصة. ويستند هذا التوقع إلى استمرار العجز في المعروض بالسوق، واتساع العجوزات المالية العالمية، والتوجه نحو خفض أسعار الفائدة.
الذهب والفضة.. سباق نحو القمة
لا يقتصر الصعود على الفضة وحدها، فقد قفزت أسعار المعادن الثمينة الأربعة الرئيسية بنسب تتراوح بين 56% و81% منذ بداية العام. ويأتي ارتفاع الذهب مدعومًا بمشتريات البنوك المركزية، وزيادة حيازات الصناديق المتداولة، وتوقعات خفض أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وتعزز عوامل جيوسياسية واقتصادية، مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين والتهديدات لاستقلالية البنوك المركزية، من الطلب على الأصول الآمنة. وفي هذا السياق، يترقب المستثمرون اجتماع الفيدرالي المقبل، خاصة بعد تصريحات مسؤولين فيه تؤيد مزيدًا من الخفض في تكاليف الاقتراض، وهو ما يدعم عادةً المعادن التي لا تدر فائدة مثل الذهب والفضة، ويشير إلى مستقبل الفضة المشرق.









