صحة

الشعور الدائم بالبرد.. جرس إنذار يتجاوز قسوة الشتاء

هل تشعر بالبرد طوال الوقت؟ أسباب قد لا تتوقعها خلف هذا الإحساس المزعج

مع انخفاض درجات الحرارة، يصبح الشعور بالبرد أمرًا طبيعيًا، لكن عندما يتحول هذا الإحساس إلى حالة ملازمة للفرد حتى في الأجواء المعتدلة، فإنه يتجاوز كونه مجرد انزعاج مؤقت ليصبح مؤشرًا صحيًا يستدعي الانتباه. إن الشعور الدائم بالبرد، أو ما يُعرف بـ”عدم تحمُّل البرد”، قد يكون رسالة يرسلها الجسم للإشارة إلى وجود خلل كامن يتطلب التشخيص.

ما وراء الإحساس بالبرودة؟

لا يقتصر تنظيم درجة حرارة الجسم على عوامل خارجية، بل هو عملية فسيولوجية معقدة تديرها شبكة من الأنظمة الحيوية، تبدأ من الغدة الدرقية وتمر بالدورة الدموية وصولًا إلى نسبة الدهون في الجسم. ووفقًا لمراقبين صحيين، فإن تجاهل حساسية البرد المفرطة قد يؤدي إلى تفاقم حالات مرضية كان من الممكن السيطرة عليها مبكرًا، مما يحول عرضًا بسيطًا إلى مشكلة صحية أكثر تعقيدًا.

الأسباب الطبية الكامنة

يشير العديد من الخبراء إلى أن الشعور الدائم بالبرد غالبًا ما يرتبط بحالات طبية محددة، تتطلب فهمًا أعمق لكيفية تأثيرها على “ترموستات” الجسم الداخلي. وتتنوع هذه الأسباب بين اضطرابات هرمونية ونقص في عناصر حيوية.

قصور الغدة الدرقية

تُعد الغدة الدرقية بمثابة منظم رئيسي لعمليات الأيض في الجسم، وعندما تعاني من القصور (Hypothyroidism)، فإنها لا تنتج ما يكفي من الهرمونات، مما يؤدي إلى تباطؤ عملية التمثيل الغذائي. هذا التباطؤ يقلل من قدرة الجسم على توليد الحرارة، ليصبح الشعور بالبرودة أحد أبرز الأعراض المصاحبة، إلى جانب الإرهاق وزيادة الوزن.

فقر الدم (الأنيميا)

يعتبر فقر الدم، خاصة الناتج عن نقص الحديد، من الأسباب الشائعة للشعور بالبرد. فالحديد عنصر أساسي في تكوين الهيموغلوبين، البروتين المسؤول عن نقل الأكسجين في الدم. وبحسب الدكتور حسن مراد، استشاري أمراض الباطنة، فإن “نقص الأكسجين الواصل إلى الأنسجة والأطراف يجبر الجسم على تقليل تدفق الدم إليها للحفاظ على حرارة الأعضاء الحيوية، مما يسبب برودة في اليدين والقدمين بشكل خاص”.

ضعف الدورة الدموية

قد لا يكون الخلل في إنتاج الحرارة، بل في توزيعها. الحالات التي تؤثر على الدورة الدموية، مثل مرض “رينود” أو تصلب الشرايين، تعيق وصول الدم الدافئ إلى الأطراف. يرى محللون أن نمط الحياة الخامل والجلوس لفترات طويلة، وهو سمة من سمات العصر الحديث، يساهم بشكل غير مباشر في تفاقم هذه المشكلة لدى شريحة واسعة من الناس.

دلالات أوسع وتأثيرات مستقبلية

إن الربط بين الشعور الدائم بالبرد وحالات مرضية محددة يفتح الباب أمام رؤية أكثر شمولية للصحة العامة. فهذا العرض ليس مجرد ظاهرة منعزلة، بل هو جزء من منظومة متكاملة تتأثر بالتغذية، والنشاط البدني، وحتى الحالة النفسية. فسوء التغذية ونقص الفيتامينات أو انخفاض الوزن بشكل حاد يقللان من الكتلة الدهنية العازلة، مما يزيد من حساسية الجسم للبرد.

في الختام، يجب النظر إلى الشعور المستمر بالبرد كإشارة تحذيرية جادة. فبدلًا من اعتباره مجرد طبيعة شخصية، يُنصح بالتوجه إلى استشارة طبية متخصصة لإجراء الفحوصات اللازمة. إن فهم هذه الرسالة الجسدية قد يكون الخطوة الأولى نحو الكشف عن حالة كامنة وعلاجها، مما يعكس أهمية الوعي الصحي الاستباقي في الحفاظ على جودة الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *