فن

«السيطرة الصامتة» بمعرض الكتاب: تآكل الوعي وحرب نفسية داخلية تفرضها منصات التواصل

ندوة بمعرض القاهرة للكتاب تناقش كتاب الدكتور نور الشيخ وتأثير التدفق المعلوماتي على الوعي البشري

شهدت قاعة «المؤتمرات» بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ضمن فعاليات دورته السابعة والخمسين، ندوة لمناقشة كتاب «السيطرة الصامتة» للدكتور نور الشيخ، بحضور نخبة من الباحثين والمفكرين.

أدار الندوة الدكتور رامي جلال، الذي أكد أن أزمة الوعي تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمع المصري. وأوضح جلال أن تدهور الوعي يفضي إلى تكوين مواقف وأحكام تفتقر إلى الأساس العلمي، لافتًا إلى أن الفوضى التي تشهدها منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تفشي الآراء والتعليقات المغلوطة، في غياب المعرفة الحقيقية والإدراك الشامل للقضايا المطروحة.

وتابع أن جوهر المشكلة يكمن في افتقاد المعيار، وهو ما ينبع من غياب الوعي ذاته، الأمر الذي يمهد الطريق أمام الفوضى الفكرية وسوء الفهم. وشدد جلال على أن الأزمة تتجلى مع سيادة اللاوعي، مؤكدًا أنه لا يتبنى نظرية المؤامرة، بل يرى أن الخلل الحقيقي ينبع من ضعف الوعي النقدي، وليس من سيطرة قوى خفية.

وتناول الدكتور رامي جلال دور اللغة بصفتها الوسيط الأساسي الرابط بين أجزاء العالم، مؤكدًا أن اللغة العربية الفصحى تشكل وعاءً جامعًا للمعرفة والثقافة والهوية، وأن الوعي لا يمكن فصله عنها. وأوضح أن «المعركة الحقيقية تدور في العقل»، وهو ما يبرزه كتاب «السيطرة الصامتة» الذي يعتمد على لغة متعددة المستويات، ويستثمر الرموز كجزء أصيل من الوجدان والتاريخ الثقافي. وأشار إلى أن تآكل الوعي الداخلي يفضي حتمًا إلى غياب الوعي الخارجي، معتبرًا أن الكتاب لا يقتصر على تشخيص الأزمة، بل يحفز القارئ على إعادة النظر في مفهوم الوعي نفسه، وكيفية تكونه وتأثره بعوامل التآكل.

بدوره، كشف الكاتب الدكتور نور الشيخ أن العمل على كتابه «السيطرة الصامتة» انطلق عام 2018، مستلهمًا من تساؤلاته حول التدفق الهائل للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر»، وما تخلفه من تأثيرات نفسية متراكمة على الأفراد. وأوضح الشيخ أن تزايد هذا التدفق المعلوماتي أوجد حالة من «الحرب النفسية الداخلية» لدى الجميع، مما دفعه، بمرور الوقت، إلى التعمق في الجوانب النفسية والفكرية، سعيًا لتقديم رؤية تعالج ما يعانيه الإنسان المعاصر من ارتباك وقلق وضغط ذهني.

ولفت إلى أنه اكتشف خلال مسيرة البحث أن الكثير مما تشهده الساحة اليوم كان متوقعًا من قبل فلاسفة ومفكرين قبل أحداث عام 2011، معربًا عن أمله لو أن بعضهم كان لا يزال موجودًا ليشهد هذا التحول المتسارع في الوعي الإنساني. وبيّن أن الكتاب يعتمد في فصوله الأولى على الأمثلة الشعبية كمدخل لشرح مصطلحات مستحدثة، منها «الهويات الجغرافية الافتراضية» و«معادلة الشائعة الجديدة» في ظل معطيات الواقع الافتراضي الراهن، بالإضافة إلى رصد أساليب حديثة في الحرب النفسية وصناعة الشائعات لم يسبق تناولها في مؤلفات أو مراجع متخصصة.

وأكد الدكتور نور الشيخ أن «السيطرة الصامتة» يشكل امتدادًا معرفيًا جديدًا في علم الحرب النفسية ودراسات الشائعات. وتناول الكاتب نور الشيخ خطورة «الكلمة»، واصفًا إياها بأنها تتسلل إلى الإنسان بسلاسة وتترك أثرها دون مقاومة، مشددًا على أنها «أقدم عملة بشرية» عرفتها الإنسانية. تتشكل دلالاتها وفقًا للظروف المحيطة، وتأويل قائلها وأهدافه، وطبيعة المتلقي، مما يهيئ بيئة خصبة لظهور الشائعات وانتشارها.

ولفت الشيخ إلى أن الكتاب يسلط الضوء على آليات التأثير في الإنسان دون وعيه، ويكشف نوعية المؤثرات التي تتحكم في قراراته بينما يتوهم أنه صاحب القرار المطلق. كما يشير إلى دور الإنترنت في خلق هويات جغرافية افتراضية جديدة، تسهم في التفرقة أكثر من الجمع، وتعمق مشاعر الاغتراب داخل الأسرة والوطن والإقليم.

مقالات ذات صلة