الذهب في مصر والعالم يحلق.. مكاسب تاريخية على وقع التوترات وتوقعات الفائدة

موجة ذهبية عارمة تجتاح الأسواق المصرية والعالمية، حيث واصل المعدن النفيس صعوده الصاروخي محققًا مكاسب تاريخية، مدفوعًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتنامي التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأمريكية. ففي أسبوع واحد فقط، قفزت أسعار الذهب في مصر بنحو 105 جنيهات، بينما لامست الأوقية العالمية مستويات لم تشهدها من قبل.
هذا الارتفاع الملحوظ يعكس تحولًا جذريًا في شهية المستثمرين، الذين يتجهون نحو الاستثمار في الذهب كملاذ آمن في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، ما يطرح تساؤلات حول مدى استمرارية هذا الزخم.
مسار الذهب في مصر: قفزات غير مسبوقة
شهد السوق المصري للذهب قفزات سعرية غير مسبوقة خلال الأسبوع الماضي، متأثرًا بالصعود العالمي للمعدن الأصفر. فقد ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 2.1%، أي ما يعادل 105 جنيهات، وفقًا لحسابات منصة «آي صاغة» المتخصصة في تداول الذهب والمجوهرات.
وفي هذا الصدد، أوضح سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة، أن سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا وشعبية في السوق المصري، بدأ تعاملات الأسبوع عند 4970 جنيهًا، قبل أن يسجل مستوى تاريخيًا غير مسبوق عند 5100 جنيه، ليغلق في نهاية المطاف عند 5075 جنيهًا.
أما عن باقي الأعيرة، فقد سجل جرام الذهب عيار 24 نحو 5800 جنيه، بينما بلغ عيار 18 حوالي 4350 جنيهًا، ووصل عيار 14 إلى 3384 جنيهًا. وظل سعر الجنيه الذهب مستقرًا عند مستوى 40600 جنيه، مما يعكس طلبًا قويًا على السبائك الصغيرة.
ويقترب الذهب في مصر من إنهاء شهر سبتمبر بمكاسب قوية قد تتجاوز 385 جنيهًا للجرام، بنسبة تقارب 11%، وهو ما يعد أداءً استثنائيًا. ومن المتوقع أن تسجل الأوقية عالميًا مكاسب شهرية بنحو 313 دولارًا، بنسبة تقترب من 9%، مما يؤكد ترابط السوقين المحلي والعالمي.
الذهب عالميًا يلامس مستويات تاريخية جديدة
على الصعيد العالمي، لم يكن المشهد مختلفًا، حيث واصلت أسعار الذهب عالميًا رحلتها الصعودية مسجلة أرقامًا قياسية. ارتفعت الأوقية بمقدار 75 دولارًا خلال الأسبوع، لتفتتح تعاملاتها عند 3685 دولارًا، وتصل إلى أعلى مستوى تاريخي جديد عند 3791 دولارًا في 23 سبتمبر، قبل أن تغلق عند 3760 دولارًا للأوقية.
هذا الأداء المذهل ليس وليد الأسبوع الماضي فحسب، فمنذ بداية العام، ارتفع الذهب عالميًا بنسبة 43% ليصل إلى 3760 دولارًا للأونصة. ويُعد هذا الأداء الأقوى سنويًا منذ عام 1979، وهو العام الذي شهد قفزة هائلة بنسبة 126% بسبب صدمات النفط والثورة الإيرانية، مما يضع مكاسب العام الحالي في سياق تاريخي مهم.
تدفقات قياسية نحو صناديق الذهب الاستثمارية
يعكس هذا الزخم الصعودي اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين المؤسسيين والأفراد. فوفقًا لبيانات بنك أوف أمريكا، شهدت صناديق الذهب الاستثمارية تدفقات نقدية ضخمة بلغت 5.6 مليارات دولار في أسبوع واحد فقط، و17.6 مليار دولار خلال أربعة أسابيع، وهو رقم قياسي جديد يؤكد عودة الثقة في المعدن الأصفر.
ورغم تحذيرات البنك من حالة «تشبع شرائي» على المدى القصير، إلا أنه أكد أن الذهب لا يزال منخفض الحيازة في المحافظ الاستثمارية طويلة الأجل، حيث يمثل 0.4% فقط من أصول العملاء الأفراد. هذه الرؤية تدعم استمرار الاتجاه الصاعد، حيث يرى المستثمرون أن هناك مجالًا كبيرًا لنمو الذهب.
وتأكيدًا لهذا التوجه، سجل صندوق SPDR Gold Shares (GLD)، وهو أكبر صندوق مؤشرات مدعوم بالذهب في العالم، أكبر تدفق يومي في تاريخه بأكثر من 18 طنًا الأسبوع الماضي. هذا التدفق القياسي يعكس عودة قوية للطلب الاستثماري على الذهب كملاذ آمن، خاصة في أوقات التقلبات الاقتصادية.
العوامل المحركة لموجة الصعود التاريخية
يرى المحللون أن موجة الصعود التاريخية لـ أسعار الذهب تعكس عدة عوامل متشابكة ومعقدة، تعمل معًا لدعم جاذبية المعدن الأصفر. هذه العوامل تشمل:
- تصاعد الديون السيادية العالمية: حيث تدفع مستويات الديون المرتفعة المستثمرين للبحث عن أصول أقل مخاطرة.
- ضعف متوقع في الدولار الأمريكي: مما يجعل الذهب، المقوم بالدولار، أرخص لحاملي العملات الأخرى.
- اتجاه البنوك المركزية نحو خفض أسعار الفائدة: مما يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائدًا.
- تزايد مشتريات البنوك المركزية: بقيادة البنوك المركزية الكبرى مثل بنك الشعب الصيني الذي يشتري نحو 33 طنًا شهريًا منذ عام 2022، مما يضيف طلبًا مؤسسيًا كبيرًا.
- استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية: هذه التوترات تدفع المستثمرين بشكل تقليدي إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب.
بيانات اقتصادية تدعم مكاسب الذهب
جاءت البيانات الاقتصادية الأخيرة لتعزز من فرص خفض أسعار الفائدة، وبالتالي تدعم مكاسب الذهب. فقد أظهرت بيانات وزارة التجارة الأمريكية أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي الأمريكي لمتابعة التضخم، سجل في أغسطس 2.9% على أساس سنوي للمؤشر الأساسي، و2.7% للمؤشر العام.
هذه الأرقام، التي تظهر تباطؤًا في التضخم، تزيد من احتمال قيام الفيدرالي بتخفيف سياسته النقدية. في المقابل، تراجع مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان إلى 55.1 نقطة في سبتمبر، مع انخفاض توقعات التضخم لعام إلى 4.7%، ولخمس سنوات إلى 3.7%، مما يشير إلى تراجع الضغوط التضخمية.
تصريحات الفيدرالي وتوقعات السياسة النقدية
تتفق تصريحات مسؤولي الفيدرالي الأمريكي مع هذه التوقعات. فقد أكدت ميشيل بومان، عضو مجلس محافظي الفيدرالي، أن بيانات سوق العمل الأخيرة تُظهر ضعفًا في النمو الوظيفي، وهو ما قد يدفع البنك نحو سياسة أكثر تيسيرًا. بينما أشار توماس باركين، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إلى أن إنفاق المستهلكين لا يزال قويًا نسبيًا، لكنه دعا إلى الحذر في ظل الرسوم الجمركية الجديدة على الأدوية والأثاث.
وتُظهر أداة CME FedWatch، التي تتابع توقعات السوق لقرارات الفيدرالي الأمريكي، تسعيرًا لاحتمال نسبته 88% لخفض الفائدة في أكتوبر، و65% لخفض إضافي في ديسمبر. هذه التوقعات القوية تشكل زخمًا إضافيًا لـ الذهب كملاذ آمن، حيث يفضل المستثمرون الأصول التي لا تتأثر بأسعار الفائدة المنخفضة.
الفضة والبلاتين يواصلان الصعود على خطى الذهب
لم يقتصر الصعود على الذهب فقط، بل امتد ليشمل المعادن الثمينة الأخرى. فقد ارتفعت أسعار الفضة إلى أعلى مستوى لها منذ 14 عامًا، متجاوزة 46 دولارًا للأوقية بزيادة تفوق 7% خلال الأسبوع. وتأتي هذه القفزة مدعومة بتوقعات بموجة صعود ممتدة بفضل زيادة الطلب الصناعي على الفضة، التي تدخل في العديد من الصناعات التكنولوجية.
كما واصل البلاتين مكاسبه القوية، مدعومًا بتراجع الإمدادات من جنوب إفريقيا، وهي أحد أكبر منتجي البلاتين في العالم. سجل البلاتين قفزات بلغت 71% منذ بداية العام، في ظل ارتفاع الطلب الصناعي العالمي، مما يؤكد أن الزخم الحالي لا يقتصر على الذهب وحده، بل يشمل سلة من المعادن الثمينة التي تستفيد من الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.









