الذكاء الاصطناعي.. رفيق المراهقين العاطفي الجديد يثير القلق

لم تعد روبوتات الدردشة مجرد أدوات بحث متطورة بالنسبة لجيل الشباب، بل تحولت إلى ما يشبه الرفقاء الافتراضيين. دراسة حديثة دقت ناقوس الخطر، كاشفة عن أن أعدادًا متزايدة من المراهقين يطورون روابط عاطفية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مقلقة حول تأثير هذه التقنية على صحتهم النفسية.
وكشفت الدراسة الصادرة عن مركز الديمقراطية والتكنولوجيا (CDT) أن ما يقرب من واحد من كل خمسة من طلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة، أي ما يعادل 19%، أقروا بأنهم أو أحد أصدقائهم دخلوا في “علاقة عاطفية” مع نظام ذكاء اصطناعي. هذه النسبة، التي قد تبدو صادمة، تعكس تحولًا عميقًا في كيفية تفاعل المراهقين مع التكنولوجيا، حيث لم تعد مجرد وسيلة للمعلومات بل أصبحت مصدرًا للدعم العاطفي والهروب من الواقع.
انتشار واسع في البيئة التعليمية
يأتي هذا التطور في سياق انتشار غير مسبوق لأدوات الذكاء الاصطناعي داخل المدارس نفسها. فقد أظهر الاستطلاع، الذي شمل 1000 طالب و1000 من أولياء الأمور وحوالي 800 معلم، أن 86% من الطلاب و85% من المعلمين استخدموا هذه التقنية خلال العام الدراسي الماضي. وبينما تشجع بعض المدارس هذا التوجه بهدف مواكبة التطور، فإن هذا الانفتاح قد يخلق تحديات غير متوقعة.
ورغم أن أكثر من نصف الطلاب اعترفوا باستخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية بالمخالفة لتعليمات المعلمين، وهو ما يثير مخاوف بشأن الغش الأكاديمي، فإن الاستخدام يتجاوز ذلك بكثير. فالاعتياد على هذه الأدوات في بيئة تعليمية منظمة يسهل انتقالها لتصبح جزءًا من حياتهم الشخصية والاجتماعية، دون وجود الوعي الكافي بحدودها ومخاطرها المحتملة.
صديق افتراضي أم خطر نفسي؟
تكمن الخطورة الحقيقية في تحول هذه الأدوات من مساعد دراسي إلى بديل عن العلاقات الإنسانية. فقد أفاد 42% من طلاب الثانوية بأنهم لجأوا إلى الذكاء الاصطناعي كصديق، أو للحصول على دعم نفسي، أو كوسيلة للهروب من ضغوط الواقع. هذا الاعتماد العاطفي المتزايد يتجلى في أن أكثر من نصفهم يتحاورون مع هذه الأنظمة أسبوعيًا على الأقل، بينما يفعل 16% ذلك بشكل يومي.
وقد حذر معالجون نفسيون من أن روبوتات الدردشة قد تقدم نصائح كارثية للمراهقين، حيث تم توثيق حالات شجعت فيها هذه الأنظمة على الانتحار أو إيذاء النفس. إن غياب الإدراك البشري والتعاطف الحقيقي يجعل هذه الأنظمة غير مؤهلة لتقديم الدعم النفسي، خاصة للفئات العمرية الحساسة التي تمر بتقلبات نفسية حادة، وهو ما يهدد سلامة الأطفال بشكل مباشر.
فجوة بين الأجيال واستخدامات خبيثة
يكشف التقرير عن فجوة معرفية واسعة بين الآباء والأبناء؛ فأكثر من ثلث المراهقين يجدون الحديث مع الذكاء الاصطناعي أسهل من الحديث مع والديهم، وفي المقابل، يقر ثلثا أولياء الأمور بجهلهم بكيفية استخدام أبنائهم لهذه التقنية. هذه الفجوة تترك المراهقين عرضة للتأثيرات السلبية دون رقابة أو توجيه، مما يعمق عزلتهم الاجتماعية.
ولم يقتصر الأمر على المخاطر النفسية، بل امتد ليشمل الاستخدامات الخبيثة. فقد أفاد 36% من الطلاب بأنهم سمعوا عن استخدام تقنية “ديب فيك” (Deepfake) لإنشاء صور أو مقاطع فيديو مزيفة لطلاب في مدارسهم، بعضها يحمل طابعًا انتقاميًا أو يتضمن محتوى حميميًا مفبركًا. هذا التحول يوضح أن صحة المراهقين النفسية لم تعد مهددة فقط بالعزلة، بل أيضًا بالتنمر الرقمي والابتزاز.







