الدولار يفرض هيمنته العالمية مدفوعًا بقوة الفيدرالي وضعف الين
كيف دفعت قرارات واشنطن وطوكيو المتضاربة العملة الأمريكية لأعلى مستوياتها في 3 أشهر؟

في تحرك لافت هز أسواق العملات العالمية، قفز الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر، مدعومًا بمزيج من السياسات النقدية المتضاربة بين واشنطن وطوكيو، والتي عززت من جاذبية العملة الخضراء كأداة استثمارية آمنة وعالية العائد نسبيًا.
صعد مؤشر بلومبرغ للدولار الفوري، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.6% ليسجل أعلى قراءة له منذ الأول من أغسطس. جاء هذا الصعود القوي في أعقاب قرار الاحتياطي الفيدرالي بخفض الفائدة بربع نقطة مئوية، وهو قرار كان متوقعًا، لكن المفاجأة كانت في تصريحات رئيسه جيروم باول.
الفيدرالي الأمريكي يغير قواعد اللعبة
أطلق باول إشارة واضحة للسوق بأن خفضًا إضافيًا لأسعار الفائدة في ديسمبر ليس أمرًا مؤكدًا على الإطلاق، وهو ما فُسّر على أنه ميل نحو التشدد النقدي. هذه النبرة قلصت بشكل كبير من توقعات المستثمرين بإجراء المزيد من التيسير النقدي قبل نهاية العام، مما منح الدولار الأمريكي زخمًا قويًا لم يشهده منذ أشهر.
يتجه الدولار الأمريكي لتحقيق مكاسب للشهر الثاني على التوالي، في ظل حالة من الضبابية تكتنف الاقتصاد الأمريكي بسبب غياب البيانات الرسمية نتيجة الإغلاق الحكومي. هذا الغموض جعل تصريحات مسؤولي البنوك المركزية هي المحرك الرئيسي للأسواق، بدلاً من المؤشرات الاقتصادية التقليدية.
الين الياباني.. ضحية السياسات التوسعية
على الجانب الآخر من العالم، أسهم بنك اليابان في تعزيز قوة الدولار عبر قراره بتقليص توقعات رفع الفائدة، مما دفع الين الياباني إلى أدنى مستوياته في ثمانية أشهر. هوت العملة اليابانية إلى 154.14 ين للدولار، وهو أضعف مستوى لها منذ فبراير، في رد فعل مباشر على غياب أي إشارات تشديد واضحة من البنك المركزي الياباني.
هذا التباين الحاد في السياسات النقدية يعكس أولويات اقتصادية مختلفة تمامًا. فبينما يحاول الفيدرالي تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو وكبح التضخم، تبدو الإدارة اليابانية الجديدة مستعدة، بل ومرحبة، بضعف الين كوسيلة لدعم النمو الاقتصادي القائم على التصدير. هذا التوجه يجعل الاستثمار في الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية من نظيرتها اليابانية.
تأثير عالمي واسع
لم تقتصر تداعيات قوة الدولار على الين وحده، بل امتدت لتشمل معظم العملات الرئيسية. فقد تراجع اليورو بنسبة 0.2%، كما هبطت جميع عملات مجموعة العشر الكبار. يأتي ذلك في وقت أبقى فيه البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثالثة، مما يؤكد أن الفجوة في السياسات النقدية بين الولايات المتحدة وبقية الاقتصادات الكبرى آخذة في الاتساع.
تعكس هذه التحركات حالة من إعادة التموضع في الأسواق المالية العالمية، حيث أصبح الفارق في أسعار الفائدة هو المحرك الأساسي لتدفقات رؤوس الأموال. ومع ميل الفيدرالي نحو التشدد النسبي، واستمرار البنوك المركزية الأخرى في سياساتها التيسيرية أو المحايدة، يبدو أن هيمنة الدولار الأمريكي قد تستمر لفترة أطول مما كان متوقعًا.









