اقتصاد

الثقة المفرطة للقادة.. هل يجرّ غرور النخب العالم إلى حرب كارثية؟

في عالم يقف على حافة تحولات كبرى، وبينما يصف قادة أنفسهم بصناع السلام، يتصاعد بهدوء خطر الانزلاق نحو حرب كبرى، ربما عالمية. ليست المشكلة في نقص القوة العسكرية، بل في فائض الثقة لدى من يملكونها. إن الثقة المفرطة للقادة والنخب السياسية قد تدفع العالم إلى كارثة، تمامًا كما حدث في صيف عام 1914، بسبب ما يسميه الخبراء “التفاؤل المتبادل” حيث يعتقد كل طرف أنه سيكسب بسهولة.

هذا ليس مجرد تخمين، بل هو خلاصة مقلقة توصلت إليها دراسة حديثة هي الأوسع من نوعها. الباحث جيوفري فريدمان من كلية دارتموث، استطلع آراء ما يقرب من 2000 مسؤول في مجال الأمن القومي من أكثر من 40 دولة غربية. لم تكن الأسئلة اختبارًا للمعلومات بقدر ما كانت مقياسًا لما أسماه “التواضع الفكري”، أو بمعنى أدق، غيابه.

نتائج تدق جرس الإنذار

كانت النتائج صادمة. عندما كان المسؤولون على يقين بنسبة 90% من صحة معلومة ما، كانت إجاباتهم صحيحة بنسبة 58% فقط، أي ما يقارب المصادفة. وحتى عندما شعروا باليقين المطلق، كانت نسبة أخطائهم تتجاوز 25%. الأخطر من ذلك، أنهم لم يكونوا يخطئون بشكل عشوائي، بل كانوا يميلون بشكل منهجي نحو “الإيجابيات المغلوطة”، وهو ما يفسر الكثير من كوارث صناعة القرار السياسي.

هذا التحيز يعني، على سبيل المثال، أن صانع القرار يميل لتصديق وجود تهديد (حتى لو كان وهميًا) بدلاً من استبعاده. إنه نفس النمط الفكري الذي دفع إدارة البيت الأبيض في 2002 إلى اليقين بامتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، والثقة بقدرتهم على إرساء الديمقراطية في العراق سريعًا، وهو ما ثبت خطؤه بشكل مأساوي.

لماذا نرى ما نريد أن نراه فقط؟

يشير فريدمان إلى أعمال علماء النفس مثل دانيال كانيمان لتفسير هذا الخلل. أحد الأسباب الرئيسية هو ما يعرف بـ التحيزات المعرفية، مثل “تحيز الموافقة”، حيث نميل لقبول فرضية ما لمجرد أنها عُرضت علينا أولاً. يضاف إلى ذلك “التفكير الجماعي”، حيث يخشى المستشارون مخالفة رأي القائد أو المجموعة، وهو ما يتفاقم في الأنظمة الاستبدادية.

لم يكن غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا في 2022، والذي قيل له إنه سينتهي في أيام، إلا مثالًا صارخًا على هذه الظاهرة. لقد أصبح التفكير القائم على الولاء للقائد، وليس على الحقائق الموضوعية، هو السائد في العديد من دوائر السلطة حول العالم، وهو ما يمثل حربًا صريحة على الخبرة الحقيقية.

هل هناك بصيص أمل؟

وسط هذه الصورة القاتمة، يقدم البحث خبرًا سارًا. وجد فريدمان أن تدريبًا بسيطًا لمدة دقيقتين فقط، يهدف لتوعية المسؤولين بتحيزاتهم المسبقة، يمكن أن يحسن بشكل كبير من قدرتهم على التقييم الموضوعي ويعزز تواضعهم الفكري. إن المخاطر في العلاقات الدولية هي حرفيًا مسألة حياة أو موت، والسؤال الآن: هل لدى كوريا الشمالية خطط هجومية؟ هل تختبر روسيا الناتو؟ من سينتصر في حرب محتملة حول تايوان؟

الدرس الذي يجب أن يتعلمه قادة العالم بسيط وواضح: يجب تقدير الخبرة التي تقول الحقيقة للسلطة، لا التي تزينها. يجب الإصرار دائمًا على طرح سيناريوهات بديلة، والأهم من ذلك كله، يجب مكافأة التواضع لا الغرور. ففي عالم محفوف بالمخاطر، قد يكون التواضع هو طوق النجاة الذي يمنع الكارثة التالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *