في خطوة تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية، يتجاوز التعاون الصيني المصري آفاقه التقليدية ليرسم ملامح جديدة لمستقبل مصر الرقمي. فمن مصانع الهواتف الذكية إلى منظومات الذكاء الاصطناعي، تتجسد شراكة لا تقتصر على تبادل السلع، بل تمتد لبناء الإنسان وتوطين التكنولوجيا المتقدمة على أرض الكنانة.
شراكة تتجاوز حدود التجارة التقليدية
على هامش احتفالات السفارة الصينية بالقاهرة بعيدها الوطني الـ 76، وبحضور كوكبة من الدبلوماسيين والمسؤولين، جاءت كلمات الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لتؤكد على زخم لا يتوقف في مسيرة العلاقات بين البلدين. نيابةً عن رئيس الوزراء، لم تكن الكلمات مجرد تهنئة بروتوكولية، بل كانت استعراضًا حيًا لشراكة استراتيجية شاملة تدخل عامها الحادي عشر، وتستعد للاحتفاء بمرور 70 عامًا على بدء العلاقات الدبلوماسية العام المقبل، حيث كانت مصر سبّاقة عربيًا وأفريقيًا في الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية.
أكد طلعت أن هذه العلاقة، التي تمتد جذورها لآلاف السنين بين حضارتين عريقتين، تجد اليوم تعبيرًا حديثًا لها في توافق الرؤى بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ، وهو ما انعكس في 10 لقاءات قمة خلال العقد الماضي. هذه الشراكة لم تعد تقتصر على المشروعات الكبرى في البنية التحتية والطاقة والنقل، بل تعمقت لتلامس عصب المستقبل: تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي.
بكين 2024.. محطة فارقة في مسار التعاون الرقمي
شكلت زيارة الوزير الأخيرة إلى بكين في سبتمبر 2024 نقطة تحول حقيقية، حيث توّجت بتوقيع 5 مذكرات تفاهم تضع أسسًا متينة لمرحلة جديدة من الاستثمارات الصينية. لم تعد القصة عن استيراد التكنولوجيا، بل عن تصنيعها وتطويرها في مصر، وهو ما يتجلى في المشروعات التالية:
- توطين الصناعة: إنشاء 3 مصانع لإنتاج 4 ملايين كيلومتر من كابلات الألياف الضوئية ومعدات الاتصال سنويًا، وهو ما يدعم خطط الدولة لتوسيع شبكة الإنترنت فائقة السرعة.
- دعم ريادة الأعمال: إطلاق صندوق استثماري تكنولوجي بقيمة 300 مليون دولار، بهدف تمويل الشركات الناشئة والأفكار المبتكرة في السوق المصري.
- خلق فرص عمل نوعية: إقامة 3 مراكز لتصدير خدمات التعهيد، توفر 800 فرصة عمل متخصصة في مجالات دقيقة مثل تصميم الدوائر الإلكترونية، تطوير البرمجيات، والبحث والتطوير في تقنيات التحول الأخضر.
بناء الإنسان قبل البنيان
في قلب هذه الشراكة، يبرز الاهتمام بالكوادر البشرية كأولوية قصوى. فالاتفاقيات الأخيرة لم تغفل أهمية بناء القدرات الرقمية، حيث نصت على إنشاء 4 مراكز ومعامل متخصصة تستهدف تدريب وتأهيل أكثر من 3 آلاف شاب مصري، وإعداد جيل جديد قادر على قيادة قاطرة التحول الرقمي في البلاد، والمنافسة بقوة في الأسواق العالمية.
“تيدا-السويس”.. قصة نجاح تلهم المستقبل
لا يمكن الحديث عن التعاون الاقتصادي دون الإشارة إلى المنطقة الاقتصادية الصينية المصرية “تيدا” في قناة السويس، التي وصفها الوزير بأنها “منصة صناعية عالمية”. بأكثر من 185 شركة واستثمارات تجاوزت 3 مليارات دولار، أصبحت المنطقة نموذجًا للتكامل الصناعي الحقيقي، حيث تصل نسبة المكون المحلي في بعض منتجاتها إلى 70%. ومع التوسعة الجديدة التي ستضيف 3 كيلومترات مربعة باستثمارات 100 مليون دولار، تستعد المنطقة لاحتضان صناعات أكثر تقدمًا، لترسخ دور مصر كمركز صناعي ولوجيستي محوري.
من جانبه، أكد السفير الصيني بالقاهرة، لياو ليتشيانج، أن العلاقات الثنائية تمر بأفضل مراحلها في التاريخ، واصفًا إياها بالنموذج المثالي للتضامن والمنفعة المتبادلة. ومع مشاركة الشركات الصينية بفاعلية في مشروعات قومية عملاقة مثل حي المال والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة والقطار الكهربائي السريع، يبدو أن فصول قصة النجاح المشتركة بين القاهرة وبكين لا تزال في بدايتها.
