الاقتصاد المصري: نظرة متفائلة من بنك بي إن بي باريبا
مصر: آفاق نمو واعدة رغم التحديات الاقتصادية

في خضم ترقب الأسواق العالمية، ألقى بنك بي إن بي باريبا الضوء على المشهد الاقتصادي المصري، مقدمًا توقعات إيجابية تشي بمستقبل واعد، وإن كانت لا تخلو من ملاحظات تستدعي التأمل. التقرير، الذي حمل عنوان “مصر: نظرة إيجابية على المدى القصير”، رسم صورة لنمو متوقع يصل إلى 5.2% خلال العام المالي 2025/2026، ليتسارع إلى 5.5% في العام التالي، متجاوزًا 4.4% المسجلة في العام المالي المنتهي.
يُعزى هذا النمو المتوقع، بحسب البنك الفرنسي، إلى محركات داخلية قوية، أبرزها استهلاك الأسر الذي يشكل أكثر من 80% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يظل صمام الأمان للاقتصاد. كما يُضاف إلى ذلك انتعاش ملحوظ في استثمارات الشركات، مدعومًا بسياسات التيسير النقدي التي بدأت تظهر ثمارها، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في بيئة الأعمال.
لكن التقرير لم يغفل الإشارة إلى أن تسارع النشاط الاقتصادي لا يزال محاطًا ببعض عدم اليقين. فجزء كبير من الانتعاش الذي شهدته السنة المالية الماضية (2025) كان مدفوعًا بشكل أساسي برفع القيود على الوصول إلى العملات الأجنبية، ما يطرح تساؤلات حول مدى استدامة هذا الزخم دون محفزات هيكلية أعمق.
وفي سياق متصل، يبدو قطاع الهيدروكربونات، وخاصة النفط والغاز، نقطة ضعف محتملة؛ إذ شهد النشاط في القطاعات الاستخراجية تراجعًا بنسبة 9% في السنة المالية المنتهية في يونيو 2025. هذا الانكماش قد يؤثر على ميزان المدفوعات ويستدعي خططًا طموحة لتعزيز الإنتاج أو تنويع مصادر الطاقة.
على الرغم من تفاوت وتيرة الإصلاحات، يرى البنك أن الاستقرار التدريجي للاقتصاد المصري يتواصل، مدفوعًا بشكل رئيسي باستعادة سيولة العملات الأجنبية. اللافت للنظر أن انتعاش النشاط، الذي يعتمد على استهلاك الأسر، قد فاق التوقعات، حتى في ظل بيئة مالية ونقدية تقييدية، ما يعكس مرونة لافتة في قدرة الاقتصاد على التكيف.
يبدو انخفاض التضخم مستدامًا، وهو ما يمهد الطريق لاستمرار التيسير النقدي في الأرباع القادمة، وهو خبر سار للمستثمرين والمواطنين على حد سواء. كما تبدو آفاق سيولة العملات الأجنبية إيجابية، بفضل التمويل الكبير من الدائنين الثنائيين ومتعددي الأطراف، ما يوفر شبكة أمان للاقتصاد في المدى القريب.
لكن المشهد المالي العام يظل أكثر تعقيدًا، فبينما تُبذل جهود حقيقية للدمج المالي، وإن كانت وتيرة بعض الإصلاحات بطيئة، يظل عبء الفائدة على الدين الحكومي مصدر ضعف كبير. هذه النقطة تستدعي اهتمامًا خاصًا، حيث يمكن أن تعيق جهود التنمية والاستدامة المالية على المدى الطويل.
تعافٍ تدريجي
في تفصيل لافت، شهد النشاط الاقتصادي تعافيًا أقوى من المتوقع خلال السنة المالية 2025، محققًا نموًا بنسبة 4.4%، مقارنة بـ 2.4% في العام السابق. هذا التعافي جاء رغم بيئة تتسم بارتفاع التضخم وقيود الميزانية وأسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة، ما يؤكد قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات.
كان الاستهلاك المنزلي، بنموه البالغ 8% على أساس سنوي، المحرك الأبرز لهذا الانتعاش، إلى جانب الاستثمار الذي ارتفع بنسبة 1.4%، وإن كان الأخير قد تأثر بانخفاض استثمارات القطاع العام. في المقابل، ظل الإنفاق العام مقيدًا (-2% على أساس سنوي) بضرورة خفض عجز الموازنة، بينما حد الارتفاع المستمر في الواردات، مدفوعًا بتأثير اللحاق بالركب وارتفاع واردات الطاقة، من مساهمة التجارة الخارجية في دعم النشاط.
تراجع التضخم
يواصل معدل التضخم مساره الهبوطي، مدفوعًا بشكل أساسي بتباطؤ أسعار الغذاء التي تشكل ثلث مؤشر الأسعار. ورغم ارتفاع التضخم الحضري إلى 11.7% في سبتمبر الماضي، يتوقع البنك أن يبلغ متوسطه 10.7% في السنة المالية الحالية 2026، مقارنة بـ 20.9% في العام الماضي، مع ترجيح تراجعه إلى 8.3% في العام المالي 2027. هذا التراجع يعد مؤشرًا إيجابيًا على نجاح السياسات النقدية.
لكن البنك حذر من أن خفض بعض أشكال الدعم، كجزء من شروط صندوق النقد الدولي، قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية مؤقتًا، كما حدث مع ارتفاع أسعار الوقود بأكثر من 10% في أكتوبر 2025. ومع ذلك، يرى البنك أن هدف التضخم الذي حدده البنك المركزي (7% ± 2 نقطة مئوية في الربع الرابع من 2026) لا يزال قابلًا للتحقيق، وهو ما يبعث على الطمأنينة.
في ظل هذا التباطؤ التضخمي، اتخذ البنك المركزي المصري خطوات جريئة بخفض أسعار الفائدة الرئيسية بإجمالي 525 نقطة أساس منذ أبريل الماضي، بعد سلسلة رفع بلغت 1600 نقطة أساس. ويتوقع البنك الفرنسي استمرار التيسير النقدي في عام 2026، ما قد يحفز الاستثمار والنمو.
ملاحظات هامة
من المثير للاهتمام أن تقرير بنك بي إن بي باريبا لم يتطرق إلى بعض التطورات الأخيرة والهامة في المشهد الاقتصادي المصري. فمثلًا، لم يشر إلى قرار البنك المركزي المصري في مطلع أكتوبر الماضي بتخفيض أسعار الفائدة بنسبة 1%، لتصل إلى 21% للإيداع و22% للإقراض، وهو قرار له دلالات كبيرة على توجه السياسة النقدية. كما غابت عن التقرير أحدث بيانات التضخم التي أظهرت ارتفاعًا في أكتوبر إلى 12.5%، وكذلك تجاوز احتياطيات النقد الأجنبي حاجز الـ 50 مليار دولار لأول مرة بنهاية أكتوبر 2025، وهي أرقام تعكس تحسنًا ملحوظًا في الوضع الاقتصادي وتستحق الإشارة إليها.
سيولة العملات
على الرغم من البيئة الإقليمية المعقدة، أظهرت الحسابات الخارجية لمصر أداءً جيدًا منذ عام 2024. فقد عوض الارتفاع الملحوظ في أعداد السياح الوافدين وزيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج الانخفاض في عائدات قناة السويس، ما يعكس تنوعًا في مصادر العملة الصعبة وقدرة على التكيف مع التحديات الجيوسياسية.
لكن التقرير أشار إلى اتجاه مقلق يتمثل في العجز التجاري المتزايد بقطاع الطاقة، والذي يمتد من الغاز (حيث ارتفعت الواردات بنسبة 85%) إلى النفط، بسبب تراجع الإنتاج المحلي. هذا التحدي يستدعي استراتيجيات واضحة لتعزيز الاكتشافات الجديدة أو البحث عن بدائل طاقوية لضمان استدامة ميزان المدفوعات.
في السنة المالية 2025، اتسع عجز الحساب الجاري إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما انخفض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقات استثمارات المحفظة لغياب البنود الاستثنائية. ورغم انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي بشكل عام، استمرت السيولة الإجمالية من النقد الأجنبي للنظام المصرفي في التحسن، ليبلغ صافي المركز الخارجي للبنوك فائضًا بنحو 21 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، وهو مؤشر إيجابي على استعادة الثقة.
يتوقع بنك بي إن بي باريبا أن يحافظ الانخفاض التدريجي في عجز الحساب الجاري، مدعومًا بنمو السياحة وانتعاش النشاط في البحر الأحمر، إلى جانب التمويل الثنائي ومتعدد الأطراف (مثل صرف الاتحاد الأوروبي 7.4 مليار يورو)، على سيولة العملات الأجنبية عند مستوى مُرضٍ. هذا الدعم الخارجي يمنح مصر مساحة للتنفس لاستكمال إصلاحاتها الهيكلية.
كما أكد البنك أن التزام السلطات بمواصلة سياسة جعل نظام سعر الصرف أكثر مرونة هو شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد الكلي. ورغم إحراز تقدم في هذا المجال، فإن الاستفادة من البيئة المواتية الحالية المدعومة بتمويل خارجي كبير وانخفاض قيمة الدولار مؤخرًا، يجب أن تُستغل لتعزيز هذه المرونة بشكل مستدام.

أداء مالي
منذ انتهاء الأزمة في عام 2024، اتسم تطور المالية العامة في مصر بالتباين. فمن جهة، يُحسب للحكومة ضبط الإنفاق الأولي (باستثناء مدفوعات الفوائد)، خاصة عبر خفض الاستثمار العام والدعم. هذا الجهد يعكس التزامًا بالانضباط المالي، وهو أمر حيوي للاستقرار الاقتصادي.
في المقابل، ظلت إيرادات الموازنة مستقرة تقريبًا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، رغم الانتعاش الاقتصادي، متأثرة بانخفاض إيرادات قناة السويس. ومع ذلك، استمر الفائض الأولي في النمو، ليصل إلى 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الماضية، ما يشير إلى تحسن في إدارة الإيرادات والمصروفات الأساسية.
لكن مدفوعات الفائدة على الدين الحكومي لا تزال تشكل المصدر الرئيسي لضعف المالية العامة، وتمنع أي انخفاض ملموس في عجز الموازنة. ففي السنة المالية 2025، تجاوزت هذه المدفوعات 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ممثلةً حوالي 62% من إجمالي الإيرادات الحكومية، وهو رقم أعلى بكثير من المتوسط في الدول الناشئة. هذا العبء الثقيل يحد من قدرة الحكومة على توجيه الموارد نحو التنمية.
وقد طغى ارتفاع تكلفة الدين المحلي إلى حد كبير على الأثر الإيجابي لعملية رأس الحكمة على المالية العامة (حوالي 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي)، ما يوضح حجم التحدي. وإجمالًا، بلغ عجز الموازنة 7.0% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025، وهو رقم يظل ثابتًا تقريبًا عن العام السابق.
يتوقع بنك بي إن بي باريبا أن تُسهم إصلاحات صندوق النقد الدولي، خاصة خفض دعم الطاقة وزيادة الإيرادات، في استقرار الفائض الأولي فوق 3% من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2026 و2027. كما سيؤدي استمرار التيسير النقدي إلى خفض تكاليف تمويل الحكومة تدريجيًا، ما يبشر بانخفاض عجز الموازنة إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2027، وهو هدف طموح ولكنه قابل للتحقيق بجهود مستمرة.
تحدي الدين
يُموّل عجز الموازنة بشكل رئيسي من خلال أوراق مالية بالعملة المحلية قصيرة الأجل، إلى جانب التمويل الثنائي ومتعدد الأطراف. تهدف الحكومة إلى تمديد آجال استحقاق أوراقها المالية المحلية وتقليل الاعتماد على ديون السوق الخارجية، مع تحديد سقف للإصدارات الدولية بنحو 4 مليارات دولار في السنة المالية 2026، وهو ما يعكس استراتيجية حذرة في إدارة الدين.
منذ أزمة ميزان المدفوعات في عامي 2022 و2023، شهدت ظروف التمويل تحسنًا ملحوظًا، حيث انخفضت علاوة المخاطر على القروض السيادية المصرية بشكل كبير من 1150 نقطة أساس إلى حوالي 400 نقطة أساس. هذا التحسن يعكس استعادة ثقة المستثمرين الدوليين في قدرة مصر على الوفاء بالتزاماتها.
في عام 2025، اقترضت الحكومة حوالي 5 مليارات دولار من الأسواق الدولية عبر سندات اليورو والصكوك. ورغم زيادة متوسط آجال استحقاق إصدارات السوق المحلية، فإن هذا التمديد لا يزال محدودًا. يرى بنك بي إن بي باريبا أن هدف الحكومة بتمديد متوسط استحقاق الدين إلى 4.5 سنوات بحلول الربع الرابع من 2026 يبدو متفائلًا، نظرًا لقيود الحد من الدين الخارجي والسياسة النقدية الحذرة للبنك المركزي.
بلغ الدين الحكومي نحو 83% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025، بانخفاض عن 96% في 2023، ويمثل الدين الخارجي 27% من الإجمالي. يتوقع البنك المركزي استمرار انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 74% في السنة المالية 2027، وهو مسار إيجابي نحو استدامة الدين.
بما أن عجز الموازنة يُموّل أساسًا من مصادر محلية، فإن شروط تمويل الحكومة ليست معرضة بشكل مباشر لتقلبات أسعار الفائدة الدولية. ومع ذلك، سيظل ضمان جاذبية أسعار الفائدة المصرية للمستثمرين الدوليين هدفًا رئيسيًا للبنك المركزي، لتحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات وضبط تكلفة الاقتراض.
في الختام، يقدم تقرير بنك بي إن بي باريبا صورة متفائلة، وإن كانت واقعية، للاقتصاد المصري، مؤكدًا على مسار التعافي والنمو المدعوم بإصلاحات هيكلية ودعم خارجي. ورغم التحديات المتبقية، خاصة في إدارة الدين وقطاع الطاقة، فإن المؤشرات الحالية تشير إلى قدرة مصر على المضي قدمًا نحو استقرار اقتصادي أكبر، وهو ما يبعث على الأمل في الأوساط الاقتصادية المحلية والإقليمية.









