الإمارات تستنسخ المستقبل: برنامج الجينوم الوطني.. طموح صحي واقتصادي يثير الجدل
أبوظبي تراهن على الذكاء الاصطناعي والجينوم لقيادة قطاع التقنية الحيوية عالمياً وسط مخاوف أخلاقية

في خطوة غير مسبوقة عالمياً، تضع دولة الإمارات العربية المتحدة رؤية طموحة لمستقبل الرعاية الصحية والاقتصاد الرقمي، عبر إطلاق برنامج الجينوم الإماراتي. هذا المشروع العملاق، الذي يهدف إلى رسم الخريطة الجينية لجميع مواطني الدولة والمقيمين، لا يعكس فقط التزاماً بتوفير رعاية صحية شخصية ووقائية، بل يمثل أيضاً ركيزة أساسية في استراتيجية التحول الاقتصادي لدولة الإمارات بعيداً عن النفط نحو قيادة قطاعات الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية.
تتجسد هذه الرؤية في منشأة ضخمة بأبوظبي، تضم خمسة عشر جهازاً من طراز “نوفاسيك إكس بلس” (NovaSeq X Plus)، وهو جهاز يزن نصف طن ويُشبه الثلاجة الصناعية، قادر على تسلسل 128 عينة من الحمض النووي البشري دفعة واحدة. هذه القدرة الهائلة على معالجة البيانات الجينية، التي تصل إلى 16 تيرابايت لكل دفعة، تؤكد حجم الاستثمار والجدية في تحقيق أهداف البرنامج، في مشهد يُعدّ فريداً من نوعه على مستوى العالم، بحسب البراء الخاني، المشرف على العمليات في المركز.
استراتيجية التحول الاقتصادي والريادة التكنولوجية
قبل ست سنوات، أطلقت الحكومة الإماراتية برنامج الجينوم الإماراتي، وأوكلت مهمة الإشراف عليه إلى شركة “جي 42” (G42)، وهي تكتل للذكاء الاصطناعي مدعوم من الدولة. يُنظر إلى هذا المشروع على أنه حجر الزاوية في جهود الإمارات التي تُقدر بتريليونات الدولارات للتحول من اقتصاد قائم على النفط إلى قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية، وهو ما يتضمن بناء مراكز بيانات ضخمة وتوفير خدمات تقنية متقدمة لسكانها.
يُرجّح مراقبون أن هذا التوجه يعكس رغبة الإمارات في بناء اقتصاد معرفي مستدام، مستفيدة من قدرتها على توفير التمويل الضخم وتجاوز بعض التحديات التنظيمية والاجتماعية التي قد تعيق مشاريع مماثلة في دول أخرى. وقد أشار بول جونز، المسؤول التنفيذي السابق في شركة “إيلومينا” (Illumina) المصنعة لأجهزة التسلسل، إلى أن أحداً لم يتوقع أن تكون دولة شرق أوسطية هي الرائدة في هذا المجال، مرجحاً أن تكون دولة صغيرة ذات كثافة سكانية منخفضة.
نجح برنامج الجينوم الإماراتي في جمع عينات من الحمض النووي لأكثر من 750 ألف إماراتي، متجاوزاً بذلك “يو كيه بيوبانك” (UK Biobank) البريطاني ليصبح أكبر قاعدة بيانات جينومية في العالم. وتعمل شركة “إم 42″ (M42)، التابعة لـ”جي 42” والمسؤولة عن البرنامج، على توسيع نطاق جمع العينات ليشمل المقيمين غير المواطنين والرضع حديثي الولادة، في خطوة استراتيجية تهدف إلى بناء بنك حيوي أضخم بعشرة أضعاف، مما يعزز مكانة الإمارات كمركز عالمي للبيانات الجينومية.
يؤكد قادة الإمارات أن الذكاء الاصطناعي سيكون المحرك الرئيسي لدفع البلاد إلى صدارة قطاع التقنية الحيوية الناشئ، متوقعين أن تسهم الخوارزميات في الكشف المبكر عن الأمراض، وتعزيز الرعاية الصحية، واكتشاف أدوية جديدة. وفي هذا السياق، عبّر فهد المرزوقي، المدير التنفيذي في شركة “إم 42″، عن حلمه بأن يُصنع دواء في أبوظبي يوماً ما، وهو ما يعكس الطموح الكبير في تحقيق الريادة في مجال البحث الدوائي.
تحديات صحية محلية وآفاق عالمية
لا يقتصر طموح برنامج الجينوم الإماراتي على الريادة الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشمل معالجة تحديات صحية محلية فريدة. فالدولة تعاني من مستويات عالية نسبياً من المشكلات الخلقية المرتبطة بزواج الأقارب، وهي ظاهرة أكثر شيوعاً في المجتمعات الصغيرة. ويُشير المسؤولون إلى أن الاضطرابات الوراثية تُعدّ رابع أعلى سبب للوفاة في الإمارات، مما يجعل مشروع الجينوم أداة حيوية لتوفير رعاية وقائية وشخصية.
من هذا المنطلق، فرضت الحكومة في ديسمبر الماضي إجراء فحص جيني إلزامي قبل الزواج على الأزواج الإماراتيين، ويغطي برنامج التأمين الوطني التلقيح الصناعي للأزواج المعرضين لخطر إنجاب أطفال يعانون من عيوب خلقية. ورغم تأكيد المسؤولين في “إم 42” على طوعية البرنامج وحفظ البيانات بأمان، إلا أن هذه الإجراءات تثير تساؤلات حول حدود التدخل الحكومي في الخيارات الشخصية، خاصة في مجتمع يتميز بخصوصيته الثقافية والدينية.
تُعدّ هذه المبادرة جزءاً من رؤية أوسع للشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، الذي اقترح في عام 2017 تسلسل جينوم كل مواطن، معتبراً أن معرفة الجينوم “حق أساسي” لكل شخص. وقد استندت هذه الرؤية إلى بنية تحتية صحية قوية، تطورت بشكل ملحوظ بفضل الثروة النفطية، وشملت إطلاق نظام السجلات الصحية الإلكترونية الشامل “ملفي” في عام 2019، مما وفر قاعدة بيانات ضخمة من السجلات السريرية.
مخاوف أخلاقية و”الأخ الأكبر”
على الرغم من الفوائد الصحية والاقتصادية المتوقعة، يواجه برنامج الجينوم الإماراتي مخاوف أخلاقية جدية. تُعرب رادا ستيرلنغ، المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان المتخصصة في منطقة الخليج، عن قلقها بشأن استخدام البيانات الجينومية في الرصد السكاني وأشكال أخرى من الإدارة السكانية، واصفةً إياه بأنه “حلم كل وكالة جمع معلومات”. هذه المخاوف تتفاقم في سياق دولة تُنتقد أحياناً بسبب محدودية الحماية القانونية والتسامح مع المعارضة، مما يثير تساؤلات حول ضمانات الخصوصية وحقوق الأفراد.
وقد أشار جوردان سمولر، عالم الوراثة في مستشفى ماساتشوستس العام، إلى أن “تآكل الثقة المُحبط” في العلم يجعل الناس حذرين من البنوك الحيوية في كل مكان. هذا التردد كان واضحاً في الإمارات، حيث تذكر عائشة ليغّي، إحدى المشاركات في البرنامج، أن كثيرين كانوا “متشككين جداً بشأن سيناريو الأخ الأكبر برمته”، خاصة بين الشباب المتأثرين بمخاوف الخصوصية على الإنترنت. كما أن بعض الآراء الدينية، مثل اعتقاد ليغّي بأن “الله هو من يقرر من يُصاب بالسرطان”، أضافت بعداً ثقافياً لتحدي الإقناع.
تاريخياً، شهدت برامج الوراثة التي تديرها الحكومات فصولاً مظلمة، من قوانين تحسين النسل في الولايات المتحدة إلى استخدام علم الوراثة لتبرير القتل الجماعي في ألمانيا النازية. ورغم أن الصناعة الحديثة تسعى للنأي بنفسها عن هذا الماضي، إلا أن وجود قاعدة بيانات جينومية ضخمة يفتح الباب أمام استخدامات غير مقصودة، أو حتى مسيئة، كما حدث في قضايا جنائية بالولايات المتحدة أو عند إفلاس شركات جينية، مما يثير تساؤلات حول “من يملك القرار؟”، بحسب عالم الأخلاقيات كيران أودوهيرتي.
الجدوى الاقتصادية ومعضلة المعرفة
على الصعيد الاقتصادي، يرى بنغ شياو، الرئيس التنفيذي لـ”جي 42″، أن مكتبة الجينوم الإماراتية ستجذب شركات الأدوية والباحثين، ويُخطط لتوسيع هذا النموذج دولياً، واصفاً شركته بأنها “بناة أمة رقمية”. ومع ذلك، فإن تحقيق منفعة تجارية من قواعد البيانات الجينومية ليس بالأمر السهل، فقد أفلست شركات رائدة مثل “ديكود جينيتكس” الأيسلندية، ويُقر مؤسسها كاري ستيفانسون بأن “جعل قاعدة بيانات كهذه عملاً مربحاً صعب جداً”، نظراً لطول جداول تطوير الأدوية وتوفر مصادر بيانات مجانية.
من جانب آخر، يثير اكتشاف الاستعدادات الوراثية للأمراض معضلة أخلاقية ونفسية. فمعرفة أن الشخص معرض لخطر الإصابة بسرطان معين لا يعني بالضرورة ظهوره، وقد تؤدي هذه المعرفة إلى قلق مفرط أو طلب رعاية طبية غير ضرورية. يتساءل المرزوقي: “هل ستتمكن من النوم الآن بعد أن علمت أنك معرض لخطر الإصابة بسرطان القولون؟… بعض الناس لن يستطيعوا”.
ومع ذلك، تُظهر تجربة عائشة ليغّي، التي اكتشفت طفرة جينية مرتبطة بسرطان المبيض بعد مشاركتها في البرنامج، كيف يمكن للمعلومات الجينية أن تُحدث فرقاً حاسماً. فبعد تردد، خضعت ليغّي لعملية استئصال كامل للرحم كإجراء وقائي، مما أقنع عائلتها وجيرانها بفوائد تسليم الحمض النووي. ورغم تأكيد العلماء على حق أي شخص في سحب بياناته الجينية من القاعدة، إلا أن الطبيب ستيفن غروبمير في “كليفلاند كلينك أبوظبي” يُشير إلى أنه “ليس على حد علمي” أن أحداً فعل ذلك.
خاتمة تحليلية
يُمثل برنامج الجينوم الإماراتي مشروعاً رائداً يضع الإمارات في طليعة الدول التي تستثمر في مستقبل الرعاية الصحية والتقنية الحيوية. إنه يعكس طموحاً وطنياً لتحقيق الريادة الاقتصادية والصحية، مستفيداً من القدرات المالية والبنية التحتية المتطورة. لكن هذا الطموح لا يخلو من تحديات عميقة، خاصة فيما يتعلق بضمانات الخصوصية، والجدوى الاقتصادية على المدى الطويل، والتوازن بين الفوائد السريرية المحتملة والمخاوف الأخلاقية حول استخدام البيانات الجينية في مجتمع يتميز بخصوصيته. يبقى هذا المشروع حالة دراسية مهمة، ليس فقط للمنطقة، بل للعالم أجمع، في كيفية إدارة التداعيات المعقدة للتقدم العلمي السريع.






