الإغلاق الحكومي يضرب بقوة: البيت الأبيض يبدأ تسريح آلاف الموظفين في خطوة غير مسبوقة

مع دخول الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة يومه العاشر، تحولت الأزمة السياسية إلى مأساة إنسانية تلوح في الأفق، حيث أعلن البيت الأبيض عن بدء تنفيذ تهديداته، مطلقًا شرارة أول عملية تسريح جماعي لآلاف الموظفين الفيدراليين في خطوة تصعيدية لم تشهدها البلاد في تاريخها الحديث.
من الإجازة الإجبارية إلى الفصل النهائي
لم يعد الأمر مجرد إجازات قسرية دون راتب كما كان معتادًا في الإغلاقات السابقة. هذه المرة، القرار أكثر قسوة. مدير مكتب الموازنة في البيت الأبيض، راسل فوت، أكد بدء ما يُعرف رسميًا بـ “عمليات تقليص القوى العاملة (RIF)”، وهو المصطلح الحكومي الذي يعني ببساطة أن آلاف الأسر الأمريكية باتت مهددة بفقدان مصدر رزقها بشكل نهائي.
وبينما لم تتضح الأرقام النهائية بعد، أكد مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية أن تسريح آلاف الموظفين بات أمرًا واقعًا، وأن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية كانت من أوائل القطاعات التي طالتها هذه الإجراءات. يمثل هذا القرار تحولًا جذريًا في إدارة الأزمات الحكومية، وينقل المواجهة السياسية من أروقة الكونغرس إلى بيوت المواطنين العاديين.
صدمة وغضب في الكابيتول هيل
على الفور، جاءت ردود الفعل منددة بالقرار. النائبة الديمقراطية سارة إلفريث وصفت الخطوة من داخل مبنى الكابيتول بأنها “ليست فقط غير أخلاقية وغير قانونية، بل أيضًا غير إنسانية”. يعكس هذا التصريح حجم الصدمة التي أحدثها القرار، والذي يأتي في وقت يواصل فيه أكثر من ثلثي الموظفين الفيدراليين عملهم كـ”موظفين أساسيين” دون الحصول على رواتبهم، بينما أُجبر البقية على البقاء في منازلهم.
استراتيجية ترامب.. ضغط سياسي أم تقليص ممنهج؟
يرى محللون أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن استراتيجية الرئيس دونالد ترامب الأوسع نطاقًا لتقليص حجم الجهاز الحكومي، وهي رؤية تشبه إلى حد كبير الجهود التي قادها إيلون ماسك مطلع العام عبر ما يسمى بـ”وزارة كفاءة الحكومة”. تلك الجهود أدت بالفعل إلى مغادرة طوعية لنحو 150 ألف موظف، لكن عمليات التسريح الحالية تبدو أكثر عدوانية.
تستخدم إدارة ترامب الإغلاق كورقة ضغط قصوى على الديمقراطيين. ففي الساعات الأولى للأزمة، جمدت الإدارة تمويل مشاريع بنية تحتية بمليارات الدولارات في معاقل ديمقراطية مثل نيويورك وشيكاغو، وفي 16 ولاية صوتت للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، في محاولة واضحة لإثارة المتاعب في الدوائر الانتخابية المناوئة له.
مخاطر محسوبة ومفاوضات متعثرة
على الرغم من أن البيت الأبيض يدرك المخاطر السياسية لهذه الخطوة، التي اعترف ترامب نفسه بأنها لا تحظى بشعبية، إلا أنه يراهن على إظهار الحزم أمام قاعدته الانتخابية التي طالما رددت شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”. لكن هذا التكتيك يقلل من قدرة الجمهوريين على إلقاء اللوم على الديمقراطيين في تبعات الإغلاق المؤلمة.
في غضون ذلك، لا تزال المفاوضات في الكونغرس الأمريكي تراوح مكانها. ورغم أن بعض الديمقراطيين أبدوا مرونة لدعم تمويل قصير الأجل، إلا أن الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة، خاصة فيما يتعلق بربط إعادة فتح الحكومة بتمديد دعم قانون الرعاية الصحية الميسرة، لتبقى مصائر آلاف الموظفين معلقة في خضم هذه المعركة السياسية الشرسة.









