الأوقاف تحدد خطبة الجمعة: قيمة الوقت في حياة الإنسان ومخاطر الغش في الامتحانات
الوزارة تدعو لاستغلال العمر ومحاربة ظاهرة الغش التي تهدد تقدم الأمم

أعلنت وزارة الأوقاف عن تحديد موضوع خطبة الجمعة المقبلة، والمقررة في الثاني من يناير 2026، الموافق الثالث عشر من رجب 1447 هـ، تحت عنوان “قيمة الوقت في حياة الإنسان”.
واستهلت الخطبة بالتأكيد على حمد الله والتوكل عليه، مشددة على أهمية استغلال العمر في طاعته.
وتناولت الخطبة أهمية الوقت في حياة الإنسان، خاصة مع توديع عام واستقبال آخر، مشيرة إلى اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بالوقت من جوانب متعددة. وأوضحت أن الله عز وجل أقسم بالوقت في مطالع سور قرآنية عديدة، كـ “الليل” و”النهار” و”الفجر” و”الضحى” و”العصر”، وهو ما يدل على عظمته وأهميته، ويلفت الأنظار إلى جليل منفعته.
كما أكدت السنة النبوية على قيمة الزمن، مبينة أن الإنسان مسؤول عنه يوم القيامة. واستشهدت الخطبة بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، حيث قال رسول الله ﷺ: “لن تزولَ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعِ خصالٍ: عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ؟ وعن شبابِهِ فيمَ أبلاهُ؟ وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ؟ وعن علمِهِ ماذا عملَ فيهِ”. (رواه البيهقي والترمذي بسندٍ حسنٍ). وشددت الخطبة على أن الوقت نعمة إلهية تستوجب الشكر باستثمارها في الطاعات والأعمال الصالحة، مستدلة بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: “نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحةُ والفراغُ”. (رواه البخاري). ودعت إلى الحفاظ على الوقت وعدم إهداره في ما لا ينفع.
وأشارت الخطبة إلى أن إدراك قيمة الوقت يدفع المسلم إلى الحرص على استغلاله فيما يقربه من الله. ونقلت عن ابن الجوزي رحمه الله قوله: “ينبغي للإنسانِ أن يعرفَ شرفَ زمانِهِ وقدرَ وقتِهِ، فلا يضيّعُ منهُ لحظةً في غيرِ قربةٍ، ويقدّمُ فيهِ الأفضلَ فالأفضلَ من القولِ والعملِ، ولتكنْ نيتُهُ في الخيرِ قائمةً من غيرِ فتورٍ بما لا يعجزُ عنهُ البدنُ من العملِ”.
واستعرضت الخطبة أقوال السلف الصالح في قيمة الوقت، فذكرت قول الحسن البصري: “يا ابنَ آدمَ، إنّما أنتَ أيّامٌ، إذا ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُكَ”، و”نهارُكَ ضيفُكَ فأحسنْ إليهِ، فإنّك إن أحسنتَ إليهِ ارتحلَ بحمدِكَ، وإن أسأتَ إليهِ ارتحلَ بذمِّكَ، وكذلكَ ليلتُكَ”. كما أشار إلى قوله: “الدنيا ثلاثةُ أيّامٍ: أمّا الأمسُ فقد ذهبَ بما فيهِ، وأمّا غدًا فلعلّكَ لا تدركُهُ، وأمّا اليومُ فلكَ فاعملْ فيهِ”. ونقلت عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: “ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غربتْ شمسُهُ، نقصَ فيهِ أجلي، ولم يزددْ فيهِ عملي”. وأوردت الخطبة قول أحد السلف: “إذا أتى عليَّ يومٌ لم أزددْ فيهِ علمًا ولم أزددْ فيهِ هدىً فلا بوركَ لي في طلوعِ شمسِ ذلكَ اليومِ”، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من أمضى يومَهُ في غيرِ حقٍّ قضاهُ، أو فرضٍ أدّاهُ، أو مجدٍ أثّلهُ، أو حمدٍ حصّلهُ، أو خيرٍ أسّسهُ، أو علمٍ اقتبسهُ، فقد عقَّ يومَهُ وظلمَ نفسَهُ”.
وأبرزت الخطبة حرص السلف الصالح على أوقاتهم، مستشهدة بوصف الحسن البصري لهم: “أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتِهِم أشدَّ منكُم حرصًا على دراهمِكُم ودنانيرِكُم”. كما ذكرت موقف عامر بن قيس الذي رد على من طلب محادثته بقوله: “أمسك الشمس”، دلالة على قيمة الوقت وسرعة انقضائه. ونقلت عن سفيان الثوري قوله حين طُلب منه الجلوس للحديث: “كيف نتحدث والنهار يعمل عمله، ما طلعت الشمس إلا كانت شاهدة على العباد فيما فعلوا؟!”. وأشارت إلى قول ابن عقيل رحمه الله: “إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حالة راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره”. (ذيل طبقات الحنابلة).
ولفتت الخطبة إلى أن السلف الصالح كانوا يرون حتى ساعات الأكل ثقيلة، فقد سُئل الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله عن أثقل الساعات عليه، فأجاب: “ساعة آكل فيها”. وذكرت أن داود الطائي كان يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز، وحين سُئل عن ذلك قال: “بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية”. (المجالسة وجواهر العلم).
وروت الخطبة عن عبد الرحمن ابن الإمام أبي حاتم الرازي قوله: “ربما كان أبي يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه”. وأشارت إلى أن ثمرة هذا الجهد والحرص على استغلال الوقت كانت مؤلفات ضخمة مثل كتاب “الجرح والتعديل” في تسعة مجلدات، وكتاب “التفسير” في مجلدات عدة، وكتاب “السند” في ألف جزء. ودعت الخطبة إلى الاقتداء بهم، خاصة مع توفر سبل العلم والتقنيات الحديثة التي لم تكن متاحة لهم.
وذكرت الخطبة قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما”. وحذرت من إضاعة الأوقات دون فائدة، مستشهدة بقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة”. ونقلت عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: “صحبت الصوفية فانتفعت بقولهم: الوقت سيف، فإن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل”. وأضافت قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة”.
وأشارت الخطبة إلى أن الصالحين والطالحين على حد سواء قد شكوا من ضيق العمر وانصرام الأوقات، فالأخيار ندموا على عدم تزوّدهم أكثر من الأعمال الصالحة، بينما تأسف الفجار على ما ارتكبوه في أيامهم الخالية.
وروت الخطبة ما قاله أهل السير عن نبي الله نوح عليه السلام عند وفاته، حين سُئل كيف وجد الحياة، فأجاب: “والذي نفسي بيده ما وجدت الحياة إلا كبيت له بابان دخلت من هذا وخرجت من الآخر”. ووجهت الخطبة نداءً لمن بلغ الستين والسبعين، محذرة من إضاعة هذه الأعمار في معصية الله وانتهاك حدوده.
وحددت الخطبة عدة أسباب تعين على حسن إدارة الوقت واستثماره، منها:
- محاسبة النفس وتربيتها على علو الهمة: ودعت إلى محاسبة النفس يوميًا حول ما أنجزته، وإدراك أن ما مضى من الوقت لا يعود ولا يعوض. ونقلت قول الحسن البصري: “ما من يوم يمر على ابن آدم إلا وهو يقول: يا ابن آدم، أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخر ما شئت فلن يعود إليك أبداً”. وأكدت على أهمية تربية النفس على علو الهمة، فمن اعتاد معالي الأمور كان أحرص على اغتنام وقته.
- معرفة حال السلف مع الوقت: إذ تعد قراءة سيرهم وأحوالهم أكبر عون للمسلم على استغلال وقته، فهم الأمثلة الرائدة في اغتنام دقائق العمر في طاعة الله.
- تنويع ما يُستغل به الوقت: حيث إن النفس سريعة الملل وتنفر من التكرار، فتنويع الأعمال يساعد على استغلال أكبر قدر ممكن من الوقت.
- تذكر الموت والقيامة: فإن تذكر الإنسان للموت والوقوف أمام ربه يوم الحساب يدفعه إلى الحرص على اغتنام وقته في مرضاة الله، وإصلاح ما فات قبل فوات الأوان.
ودعت الخطبة إلى اغتنام الأوقات والعودة إلى الله، محذرة بشدة من التسويف الذي وصفته بـ “الآفة المدمرة للوقت والقاتلة للعمر”. ونقلت عن الحسن البصري قوله: “إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غد لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم”. وأكدت أن التسويف يجعل النفس تعتاد ترك الطاعات، مشددة على أن الإنسان لا يضمن العيش حتى الغد.
وحثت الخطبة على اغتنام الأوقات قبل فوات الأوان، مستشهدة بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: “اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”. (رواه الحاكم وصححه). كما ذكرت أن النبي ﷺ سُئل: “أي الناس خير؟” فقال: “من طال عمره، وحسن عمله”، فقيل: “فأي الناس شر؟” قال: “من طال عمره وساء عمله”. (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
وأشارت إلى أن هناك من كانت أعمارهم قصيرة لكنهم ملأوا الدنيا بعلمهم وفقههم، مستشهدة بقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حكمه: “رب عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده، ورب عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده، ومن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من المنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة، ولا تلحقه ومضة الإشارة”.
وحذرت الخطبة من إضاعة الأوقات في مواقع التواصل الاجتماعي دون فائدة، بل قد يصل الأمر إلى الإضرار بالآخرين عبر المنشورات والكتابات، داعية إلى الحرص على أن يكون المرء عضوًا نافعًا فيما يكتب، ليكون ذلك شاهدًا له لا عليه يوم القيامة.
وفي سياق متصل، تناولت الخطبة ظاهرة الغش في الامتحانات، خاصة مع تزامنها مع فترة اختبارات الفصل الدراسي الأول للطلاب والطالبات. وحذرت من المفاهيم الخاطئة التي تسوّغ للبعض الغش بحجة صعوبة الاختبارات أو تفوق من هم أقل منهم علمًا بمهارتهم في الغش، مؤكدة أن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأن ما كان أصله حرامًا لا يجوز حله بأي حال.
وأكدت الخطبة على الأثر السلبي لظاهرة الغش في التعليم على تقدم الأمم، واصفة إياها بـ “البلاء الذي ابتلي به طلاب العلم صغارًا وكبارًا”. وأشارت إلى أن الغش لم يقتصر على المراحل الابتدائية، بل امتد إلى الثانوية والجامعة والدراسات العليا، مستنكرة تقديم أبحاث ومشاريع لا يمتلك أصحابها أي معرفة بمحتواها، أو حصول طلاب على مجموع عالٍ في الشهادة الثانوية بالغش وهم لا يحسنون القراءة والكتابة.
وعزت الخطبة هذه الظاهرة إلى “الفصام النكد” بين العلم والعمل الذي يعيشه كثير من الطلاب، حيث يحاولون الغش رغم قراءتهم لحديث الرسول ﷺ الذي تبرأ فيه من الغشاش بقوله: “من غش فليس مني” (رواه مسلم). وأوضحت أن هذا السلوك ينبع من اعتقاد خاطئ بعدم وجود علاقة بين العلم المكتسب والعمل به، مؤكدة أن الإسلام حرم جميع صور الغش وتبرأ الرسول ﷺ من الغشاشين.
وشددت الخطبة على أن الغش يؤثر سلبًا على المجتمع، ويعد سببًا رئيسيًا لتأخر الأمة وعدم تقدمها، فالأمم تنهض بالعلم والشباب المتعلم. وتساءلت عن الدور الذي يمكن أن يقوم به هؤلاء الطلاب الغشاشون في بناء الأمة، مؤكدة أن غاية همهم ستكون الحصول على وظيفة بشهادة مزورة، دون أي اهتمام بتقديم ما ينفع المجتمع.
وحذرت الخطبة من أن الغشاش قد يتولى في المستقبل منصبًا أو يصبح معلمًا، مما يجعله يمارس غشه على الأمة، وربما يعلم طلابه الغش. وأكدت أن الراتب الذي يحصل عليه بشهادة مزورة أو عن طريق الغش سيكون حرامًا، لأن ما بني على حرام فهو حرام، و”أيما جسد نبت من حرام فالنار أولى به”.
وأوضحت أن الغشاش يرتكب عدة مخالفات بالإضافة إلى جريمة الغش نفسها، تشمل السرقة والخداع والكذب، وأعظمها الاستهانة بالله وترك الإخلاص والتوكل عليه.
ودعت الخطبة الجميع إلى التعاون في مقاومة هذه الظاهرة، كل حسب استطاعته وجهده، بدءًا من الأب في بيته، والمعلم والمرشد في المدرسة والجامعة، وصولًا إلى الداعية في خطبه ودروسه، والإعلام بوسائله المختلفة. الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف
واختتمت الخطبة بالدعاء إلى الله أن يبارك في الأعمار والأوقات والأولاد، وأن يحفظ مصر من كل مكروه وسوء.









