اعتراض رئاسي يعيد قانون الإجراءات الجنائية إلى البرلمان لحماية الحقوق والحريات

في خطوة دستورية لافتة، أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد إلى مجلس النواب، معترضًا على عدد من مواده الأساسية. رسالة الرئيس التي تلاها المستشار حنفي جبالي في افتتاح دور الانعقاد السادس، لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كانت بمثابة دعوة صريحة لإعادة ضبط التوازن الدقيق بين تحقيق العدالة الجنائية الناجزة وصون الحقوق والحريات للمواطنين.
الرئيس السيسي، في رسالته، أشاد بجهود المجلس في إقرار القانون، لكنه أكد على عهده بالسعي دائمًا لتحقيق المصلحة العامة، والانحياز للرؤى التي تُرسخ دولة القانون وتصون كرامة المواطن. وأشار إلى أن هذا القانون، باعتباره مكملاً للدستور، يمس حياة الناس بشكل مباشر، مما يفرض مسؤولية تاريخية لضمان أن تكون نصوصه واضحة ومُحكمة، لا تحتمل لبسًا في التفسير أو صعوبة في التطبيق.
فلسفة الاعتراض: توازن دقيق بين العدالة وحماية الحريات
ارتكز الاعتراض الرئاسي على فلسفة واضحة، وهي ضرورة تحقيق توازن حساس بين مصلحتين أساسيتين: الأولى هي كفاءة نظام العدالة الجنائية في مواجهة الجريمة، والثانية هي كفالة الحقوق والحريات العامة التي نص عليها الدستور. وقد جاءت الرسالة استجابةً لحالة من النقاش المجتمعي والقانوني الواسع الذي صاحب مناقشة مواد القانون، وما أثير حولها من مخاوف بشأن التطبيق العملي لبعض النصوص المستحدثة.
ثماني ملاحظات جوهرية.. تشريح مواد الخلاف في القانون الجديد
حدد الرئيس السيسي اعتراضه في ثماني نقاط محددة، تمثل كل منها محورًا مهمًا في العلاقة بين السلطة والمواطن، وتكشف عن حرص على سد أي ثغرات قد تُستغل بشكل يمس الحقوق الأصيلة. وفيما يلي تفصيل لتلك المواد:
المادة 6: موعد التطبيق.. دعوة للتروي والتجهيز
اعترض الرئيس على بدء العمل بالقانون في اليوم التالي لنشره، معتبرًا ذلك غير واقعي. فالقانون يستحدث منظومة جديدة مثل “مراكز الإعلانات الهاتفية” في أكثر من 280 محكمة، وهو ما يتطلب وقتًا للتجهيز والتدريب. واقترح أن يبدأ التطبيق مع بداية العام القضائي التالي، لإعطاء فرصة كافية للمؤسسات القضائية للتأقلم مع التغييرات الجذرية.
المادة 48: حرمة المساكن.. وغموض “حالات الخطر”
تتعلق هذه المادة بحق رجال السلطة العامة في دخول المنازل في “حالات الخطر”. الاعتراض الرئاسي أشار إلى أن مصطلح “الخطر” جاء غامضًا وفضفاضًا، مما قد يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة تنتهك الحرمة التي كفلها الدستور للمساكن. وطالب بوضع تعريف محدد وواضح لهذه الحالات لمنع أي تجاوز محتمل.
المادة 105: تناقض في صلاحيات الاستجواب
هنا، أشار الاعتراض إلى وجود تناقض تشريعي لافت. فبينما تسمح مادة لمأمور الضبط القضائي المنتدب باستجواب المتهم دون محامٍ في الحالات العاجلة، تمنع مادة أخرى النيابة العامة (وهي السلطة الأعلى) من نفس الإجراء. وطالب الرئيس بإعادة النظر في النص لتحقيق التناسق ومنح السلطة الأصيلة صلاحيات لا تقل عن السلطة المنتدبة.
المادة 112: إيداع المتهم.. ضمانات غائبة ومدد مفتوحة
أثار الرئيس قلقًا بالغًا بشأن نص يجيز إيداع المتهم في مكان احتجاز لمدة غير محددة إذا تعذر استجوابه لغياب محاميه، ودون أمر قضائي أو حق للمتهم في التظلم. واعتبر ذلك مخالفًا للمادة 54 من الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مطالبًا بوضع ضوابط وضمانات واضحة.
المادة 114: الحبس الاحتياطي.. الحاجة لبدائل أكثر إنسانية
لمس الاعتراض هنا قضية الحبس الاحتياطي الشائكة، حيث انتقد اكتفاء القانون الجديد بنفس البدائل الثلاثة القديمة. ودعا إلى استحداث المزيد من التدابير غير الاحتجازية، لإعطاء سلطات التحقيق خيارات أوسع تتناسب مع كل حالة، وتجعل من الحبس الاحتياطي إجراءً أخيرًا لا يتم اللجوء إليه إلا للضرورة القصوى.
المادة 123: مراجعة دورية للحبس.. لمنع الإطالة دون مقتضى
لضمان عدم تحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة، طالب الرئيس بتعديل المادة الخاصة بعرض قضايا المحبوسين على النائب العام. واقترح أن يكون العرض دوريًا (كل ثلاثة أشهر مثلاً) وليس لمرة واحدة، لضمان المتابعة المستمرة وسرعة إنهاء التحقيقات، وهو ما يعكس اهتمامًا بحقوق المحبوسين احتياطيًا.
المادة 231: الإعلانات القضائية.. بين التكنولوجيا والواقع
فيما يخص الإعلانات الهاتفية، نبه الرئيس إلى ضرورة وجود خطة بديلة. فطالب بأن ينص القانون صراحة على جواز استخدام الطرق التقليدية في الإعلان إذا تعطلت المراكز التكنولوجية الجديدة لأي سبب، وذلك لضمان عدم تأخير الإجراءات القضائية وتعطيل مصالح المتقاضين.
المادة 411: حق الدفاع في الاستئناف.. فرصة أخيرة أم حكم نهائي؟
اعترض الرئيس على المادة التي تقضي بإصدار حكم نهائي لا يجوز الطعن عليه إذا تخلف المتهم عن حضور جلسة استئنافه. واعتبر هذا الإجراء قاسيًا ويمس جوهر حق الدفاع، داعيًا إلى إعادة النظر في النص لمنح المتهم فرصة أخرى، ترسيخًا لمبدأ أصل البراءة الذي يعد حجر الزاوية في العدالة الجنائية.
المسار الدستوري: الكرة في ملعب البرلمان مجددًا
استنادًا إلى المادة 123 من الدستور، التي تمنح رئيس الجمهورية حق الاعتراض على القوانين خلال 30 يومًا من تسلمها، أعاد الرئيس السيسي مشروع القانون إلى مجلس النواب. والآن، تعود الكرة إلى ملعب البرلمان مرة أخرى، حيث سيقوم بإعادة دراسة المواد محل الاعتراض، وما يرتبط بها من نصوص أخرى، في ضوء الملاحظات الرئاسية التي تهدف في مجملها إلى إصدار قانون عصري ومتوازن، يحقق العدالة ويصون الكرامة الإنسانية.









