إيطاليا: ميلوني تحكم بالمراسيم.. قبضة أمنية مشددة تثير الجدل
من قمع الاحتجاجات إلى تشديد الهجرة.. كيف تحكم ميلوني إيطاليا بسلسلة من القرارات الأمنية المثيرة للجدل

شهدت إيطاليا خلال الأسبوعين الماضيين إقرار الحكومة، برئاسة جورجيا ميلوني، حزمة من الإجراءات الأمنية والقيود على الهجرة، أثارت جدلاً واسعاً. هذه الخطوات ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المراسيم المتتالية التي دأبت عليها ميلوني منذ وصولها إلى السلطة في أكتوبر 2022. فقد اعتمدت زعيمة اليمين المتطرف سياسة “الحكم بالمراسيم”، مدفوعة بهوس عقابي وشرطي واضح، حيث أصدرت ما لا يقل عن عشرة مراسيم، جميعها تحت ذريعة “حالة طوارئ أمنية”، سواء كانت حقيقية أو مشكوكاً فيها. وتظل الأهداف ثابتة في غالب الأحيان: المهاجرون، المنظمات غير الحكومية، والنشطاء، الذين يُصَنَّفون جميعاً في خانة واحدة مع المجرمين المطلوب ملاحقتهم، مما يرسم صورة واضحة لتوجهات سياستها العامة.
وفي أحدث فصول هذه السياسة، أقرت الحكومة بمرسوم، من بين أمور أخرى، إمكانية الاعتقال الاحتياطي لمدة 12 ساعة لأي شخص تشتبه الشرطة في قدرته على إثارة الفوضى خلال مظاهرة. وعلى صعيد الهجرة، يتضمن مشروع قانون لا يزال ينتظر موافقة البرلمان، تطبيق حصار بحري – يشمل سفن الإنقاذ – لمدة تتراوح بين شهر وستة أشهر في حالات تعتبرها الحكومة استثنائية، كارتفاع ضغط الهجرة. بيد أن هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل يمتد جذوره إلى فترة أبعد.
وكانت حكومة ميلوني قد بدأت عهدها في عام 2022 بمرسوم يستهدف حفلات “الريف” الصاخبة. فقد تصادف آنذاك تنظيم حدث ضخم من هذا النوع قرب مودينا، حضره نحو 3000 شاب من مختلف أنحاء أوروبا. رأت ميلوني ونائبها، زعيم حزب الرابطة اليميني المتطرف ماتيو سالفيني، أنها فرصة ذهبية لتوجيه رسالة أولى لناخبيهم. ففرضوا عقوبات تتراوح بين ثلاث وست سنوات سجناً على “اقتحام الأراضي أو المباني مع تعريض الصحة أو السلامة العامة للخطر”. ورغم ذلك، لم يُسمع الكثير عن تطبيق هذا المرسوم لاحقاً.
وكما هو الحال في هذه القضية، غالباً ما تكون هذه الإجراءات دراماتيكية ومثيرة للجدل، وفعاليتها وتطبيقها الفعلي لا يزالان محل شك، وغالباً ما تصطدم بالمحاكم. فعلى سبيل المثال، يشكك قانونيون وخبراء في إمكانية تنفيذ الحصار البحري المقترح، كونه يتعارض مع الاتفاقيات البحرية الدولية. لكنها في اللحظة الراهنة، تُحدث تأثيراً سياسياً كبيراً، لا سيما لدى جمهورها. كما أنها تعطي الانطباع بأن ميلوني تقوم بالكثير، في حين أن حكومتها لم تُنجز في ثلاث سنوات سوى إصلاحات قليلة تستحق الذكر.
وعلى صعيد آخر، عندما يتدخل القضاة لوقف بعض هذه الإجراءات، كما حدث مع ترحيل المهاجرين إلى ألبانيا، تستغل ميلوني ذلك لاتهامهم بالتدخل في “الإرادة الشعبية”. وفي الخلفية، تدور رحى حرب خفية منذ أشهر ضد السلطة القضائية، وذلك قبيل الاستفتاء المقرر في مارس حول إصلاح المسار المهني للقضاة، والذي تعتبره جميع الجمعيات القضائية محاولة للسيطرة على القضاء.
سفينة تابعة للبحرية الإيطالية تنزل مهاجرين في ميناء شمال غرب ألبانيا عام 2024. (فلاسوف سولاج/أسوشيتد برس/لا بريس)
استهداف المنظمات غير الحكومية وسفن الإنقاذ
في عام 2023، دفع وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوسي بأول مرسوم لذلك العام، والذي استهدف المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال إنقاذ المهاجرين بالبحر الأبيض المتوسط، مما أوجد سلسلة من العوائق التي تعرقل عملها. فإلى جانب إجبار السفن على العودة إلى الميناء بعد عملية إنقاذ واحدة فقط، دون السماح لها بإجراء عملية أخرى في طريق العودة، فرض المرسوم أيضاً عليها ميناء إنزال محدداً. وبدلاً من توجيهها إلى صقلية، بدأت الحكومة بإرسالها إلى أقصى الشمال الإيطالي، في رحلة تستغرق أياماً ذهاباً وإياباً، مما أدى إلى ارتفاع هائل في تكلفة الوقود.
وفي مارس 2023، صدر ما عُرف بـ”مرسوم كوترو”، كرد فعل من الحكومة الإيطالية على مأساة جديدة وقعت في فبراير من العام نفسه ببلدة كوترو في كالابريا، حيث لقي 94 مهاجراً حتفهم وفُقد آخرون في غرق سفينة كان يمكن تجنبه. ويخضع حالياً ستة مسؤولين من الشرطة المالية وخفر السواحل للمحاكمة بتهمة تجاهل نداءات الاستغاثة.
تشديد العقوبات على المهاجرين وتقييد حق اللجوء
لكن رد فعل ميلوني تمثل في تشديد العقوبات ضد “قادة” القوارب، الذين غالباً ما يكونون مجرد مهاجرين أُجبروا على قيادة الدفة، وأحياناً يكونون قاصرين، ويواجهون الآن أحكاماً تصل إلى 30 عاماً في السجن. ويُقدر حالياً وجود 1300 سجين من هذا النوع. علاوة على ذلك، استغلت الحكومة المرسوم لتقييد حق اللجوء وتصعيب منح الحماية الخاصة للأجانب الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية خطيرة. وفي القانون الذي دفع به هذا الأسبوع، جرى تضييق هذا الحق بشكل أكبر.
وفي أكتوبر 2023، فعلت الحكومة الشيء نفسه بمرسوم آخر حول تدفقات الهجرة. احتوى المرسوم على قواعد لتنظيم نظام تصاريح العمل، لكنه تضمن أيضاً قيوداً جديدة على حق اللجوء وعلى المنظمات غير الحكومية. هذه المرة، استهدف المرسوم طائرات منظمات الإغاثة التي تساعد في تحديد مواقع القوارب التائهة، حيث فُرضت عليها قواعد رقابية صارمة تحت تهديد حجز الطائرات. كما دأبت ميلوني على تعديل بروتوكول ترحيل المهاجرين إلى ألبانيا، الذي بدأ في عام 2025، عبر مراسيم وقواعد إضافية كلما أوقفته المحاكم.
توظيف الأحداث لتعزيز الأجندة الأمنية
تُظهر ميلوني براعة فائقة في إدارة التوقيتات وتوظيف التأثير الدعائي، وكثيراً ما تُربك المعارضة التي تشهد استقراراً في شعبية رئيسة الوزراء ضمن استطلاعات الرأي. فغالباً ما تأتي المراسيم عقب أحداث معينة تجعل منافسيها يترددون في الاعتراض، خشية أن يُنظر إلى معارضتهم في الرأي العام على أنها دعم للهجرة غير الشرعية أو للعنف في المظاهرات. فعلى سبيل المثال، جاء مرسوم قانون الأمن الأسبوع الماضي في أعقاب اضطرابات شهدتها مسيرة احتجاجية في تورينو، أسفرت عن إصابة 108 من رجال الشرطة و45 متظاهراً جراء ضربات عناصر الأمن.
ميلوني، أمس في القمة الأوروبية بألدن بيزن (بلجيكا). (وكالة الأنباء الألمانية عبر يوروبا برس)
وهذا ما حدث في عام 2023 مع ما يُعرف بـ”مرسوم كايفانو” لمكافحة جرائم الأحداث، أو ما يُسمى بـ”عصابات الأطفال”. فقد صدر المرسوم كرد فعل فوري على حادث مروع، تمثل في اغتصاب فتاتين على يد مجموعة من أقرانهما في منطقة شديدة التدهور قرب نابولي وتسيطر عليها “الكامورا”. وقد سهّل المرسوم إرسال القاصرين إلى السجن، وعاقب آباء الأطفال المتغيبين عن المدرسة بالسجن لمدة تصل إلى عامين. حذرت الجمعيات العاملة في السجون من تزايد عدد القاصرين في السجون، مما دفع الكاتب الإيطالي الشهير روبرتو سافيانو إلى وصف المرسوم بأنه “دعاية” وحذر من أنه لا يحل المشاكل الجذرية، بل يسرّع دخول القاصرين إلى عصابات المافيا.
وقد بلغ اللجوء إلى “حالة استثنائية” تتطلب قرارات جذرية، مستوى غير مسبوق الأسبوع الماضي، عقب إقرار مرسوم الأمن الثاني. فقد وصل وزير العدل، كارلو نوردو، إلى حد تبرير الإجراءات بالقول إن المناخ الحالي يذكره بأجواء “الألوية الحمراء” في سبعينيات القرن الماضي.
وهذه الإشارة ليست عابرة، ففي “سنوات الرصاص” (Anni di piombo)، طبقت الحكومات ما سُمي بـ”التشريعات الطارئة” كرد استثنائي على الإرهاب ومحاولات الانقلاب والاعتداءات الكبرى. ومعظم هذه الأعمال، بالمناسبة، كانت من فعل الإرهاب الفاشي الجديد ضمن ما عُرف بـ”استراتيجية التوتر”، التي سعت إلى خلق الفوضى لتبرير فرض تدابير استبدادية. واليوم، ترسم ميلوني أيضاً، وبأسلوب الضحية، صورة لجو عنف خانق مزعوم ضد حكومتها. فبعد مقتل الناشط تشارلي كيرك في الولايات المتحدة، تحدثت عن وجود “مناخ كراهية لا يطاق” في إيطاليا أيضاً قادم من اليسار، مستحضرة “سنوات الرصاص”.
قمع النشطاء البيئيين
في يناير 2024، ومرة أخرى في سياق الأحداث الجارية، طبقت ميلوني “القبضة الحديدية” ضد نشطاء المناخ الذين يرمون الطلاء على الأعمال الفنية والمعالم الأثرية: ففرضت عقوبات تتراوح بين 10 آلاف و60 ألف يورو، وحتى خمس سنوات سجناً في الحالات الأكثر خطورة، وذلك بموجب مشروع قانون بدأ العمل عليه في العام السابق.
مرسوم “مكافحة غاندي” وتقييد الاحتجاجات
شهد ربيع عام 2025 احتجاجات واسعة النطاق من أجل السلام، وفي يونيو، أقرت الحكومة مرسوم الأمن الأول الذي تضمن عدة إجراءات ضد المتظاهرين. فقد اعتبر قطع الطرق أو السكك الحديدية جريمة جنائية يُعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى عامين، وتُزاد العقوبة بمقدار الثلث إذا كان الهدف هو إعاقة الأشغال العامة – كما حدث في الاحتجاجات ضد جسر ميسينا. كما عوقب كل من يقاوم عنصراً أمنياً بشكل سلبي. وبسبب كل ذلك، أُطلق عليه اسم مرسوم “مكافحة غاندي”.
هذه الإجراءات تعطي فكرة عن المدى الذي ترغب الحكومة الإيطالية الحالية في الوصول إليه لو سُمح لها بذلك. فدائماً ما تكون هناك تدابير أكثر تطرفاً تُستبعد، لمجرد الوعي بالدستور، ويكون رئيس الجمهورية هو من يضطر إلى وقفها. وعادة ما يقترح هذه التدابير “حزب الرابطة”: مثل الإخصاء الكيميائي للمغتصبين في مرسوم الأمن الأول، أو، في مرسوم الأسبوع الماضي، المطالبة بكفالة من منظمي المظاهرات لتغطية الأضرار المحتملة.









