«إن غاب القط»: كوميديا السطو التي تبحث عن الأصالة وتثير أسئلة الهوية
تحليل نقدي لفيلم «إن غاب القط» يكشف عن محاولاته لإضفاء الطابع الشرقي وتناوله لمفهوم الرجل «السام» في العلاقات.

شهدت قاعة العرض، خلال مشاهدة فيلم “إن غاب القط”، استمتاعاً ملحوظاً من قبل الجمهور، الذي بدا منجذباً بشكل خاص لأداء وكاريزما بطلي العمل آسر ياسين وأسماء جلال، فضلاً عن بقية النجوم وضيوف الشرف المشاركين.
ترددت ضحكات خفيفة في أرجاء الصالة، تفاعلاً مع “الإيفيهات” الكوميدية الجريئة، بينما خفتت أحاديث الهواتف والهمس خلال مشاهد المطاردات والمعارك، ما يشير إلى انغماس الجمهور في أحداث الفيلم.
ورغم أن المشاهدين بدوا مستمتعين بالتسلية التي يقدمها الفيلم، إلا أنهم لم يظهروا أي دهشة أو انبهار، بل بدا الأمر وكأنهم ألفوا هذا النوع من الأعمال، أو شاهدوا ما يشابهه سابقاً، وهو ما لا يرتبط بمحور الفيلم الذي يتناول فكرة الشبيه الذي يتضح أنه شخصية واحدة.
أهداف بسيطة!
يندرج فيلم “إن غاب القط” ضمن فئة الأفلام المصممة وفق “وصفة” جاهزة ومضمونة، وهي استراتيجية غالباً ما تنجح في استقطاب جمهور يبحث عن ساعتين من الترفيه الخفيف دون تطلعات كبيرة.
ينجح “إن غاب القط” في تحقيق هدفه المحدد لجمهوره، وهو ما يعكس المقولة الشعبية: “أبوها راضي، وأنا راضي”، في إشارة إلى تلبية توقعات الطرفين.
عادة ما تُنتج هذه الأفلام “الجاهزة” بناءً على طلب المنتج أو النجم، ويعتمد مؤلفوها ومخرجوها على مراجع من أعمال أجنبية أو عربية سابقة خلال مراحل الكتابة والتنفيذ.
يستوحي “إن غاب القط” مرجعياته من أفلام السطو (Heist) والاحتيال (Hustler) التي تركز على شخصيات اللصوص والنصابين، وهي فئة سينمائية شهدت انتشاراً ونجاحاً كبيراً خلال العقد الأخير، لتصبح من أبرز أنواع الأفلام المنتجة.
تعود شعبية هذا النوع إلى قدرته على تقديم مزيج من الحركة والتشويق وقصص الحب المثيرة، بالإضافة إلى استعراض أماكن خلابة وأنماط حياة مترفة تبرز الفروقات الطبقية. ورغم أن الهدف الأساسي لصناعها وجمهورها هو التسلية، إلا أن قالبها الخيالي الميلودرامي يتيح غالباً التطرق لموضوعات أكثر عمقاً وحساسية، فالتسلية لا تكون بريئة تماماً في جوهرها.
استلهام من فؤاد المهندس وشويكار
يقدم صناع فيلم “إن غاب القط” تحية لنجمي الكوميديا الراحلين فؤاد المهندس وشويكار في عدة مشاهد، سواء عبر الإشارة المباشرة لأسمائهما، أو من خلال غناء بطلي الفيلم أسماء جلال وآسر ياسين لإحدى أغانيهما، أو حتى عبر الجو العام والموسيقى التصويرية للعمل.
ورغم أن الفيلم يثير ذكريات فؤاد المهندس، حتى قبل الإشارات المباشرة إليه، إلا أن “إن غاب القط” ينتمي بشكل أكبر إلى موجة أفلام السطو والنصب المعاصرة، مستلهماً من الأعمال الأميركية أكثر مما يستوحي من كلاسيكيات السينما المصرية.
يسعى “إن غاب القط” لإضفاء طابع “شرقي” و”أصيل” يميزه عن أفلام السطو والنصب الحديثة الأخرى. وتشكل الإشارات إلى المهندس وشويكار إحدى الحيل التي يعتمدها صناع الفيلم لإخفاء التأثيرات الأميركية، أو تلك المستوحاة من أعمال أميركية، بهدف منح العمل أجواء مصرية خالصة.
تتضمن هذه الحيل اختيار مواقع تصوير في شوارع ومبانٍ أثرية ذات طراز فاطمي ومملوكي، كالحمام الشعبي الذي يحل محل صالات الساونا والجاكوزي الفاخرة في أفلام أخرى. كما يظهر ذلك في تناول السيدة الأرستقراطية الشريرة لأطباق شعبية مثل الفول والطعمية والجرجير، في محاولة لمنح الفيلم نكهة محلية مميزة، والابتعاد عن نمط أشرار اليخوت والكافيار.
بيد أن هذه الحيل “الفرانكو-آرابية” لا تفلح إلا في تعميق غربة الفيلم وانفصاله عن الواقع، خاصة عندما تضع شخصياته في مواقف سريالية، كمطاردة رجال عراة (خارجين من حمام شعبي) في شوارع القاهرة القديمة وداخل محطة مترو الأنفاق. وكذلك مناقشات النصابين حول الفروق بين اللوحات الفنية الأصلية والمزورة، في حين أن المجرمين المصريين، على الأرجح، يركزون اهتمامهم على سرقة الآثار والاتجار بها بدلاً من الفن التشكيلي.
نصاب أم “سام”؟
تتناول حبكة “إن غاب القط” قصة رجل يعيش بشخصيتين متناقضتين: “زين” الطبيب البيطري الخجول والمحترم صباحاً، و”زينهم” لص اللوحات ومثير النساء وبطل العضلات المغوار مساءً، وكلاهما يجسده آسر ياسين. هذه الفكرة ليست مستهلكة فحسب، بل تعد من الأكثر استخداماً في السينما المصرية، منذ نجيب الريحاني وإسماعيل يس وفؤاد المهندس وصولاً إلى محمد سعد، وظهرت مؤخراً في أعمال مثل “أحمد وأحمد”.
هذه “الثيمة” الدرامية قديمة قدم الفن، وتظهر في أعمال شكسبير ومسرحية “أهمية أن تكون إرنست” لأوسكار وايلد، كما جسدها عبد الحليم حافظ في فيلم “فتى أحلامي”.
تعد هذه “الثيمة” أداة فعالة لاستكشاف حدود الهويات عبر تباين النوع الاجتماعي والطبقة والأخلاق. وتستخدمها الأفلام المصرية الحديثة غالباً لبحث مفاهيم الهوية الذكورية وصورة الرجل “المثالي” في نظر النساء، وهو هدف لا يخفيه “إن غاب القط”، بل يشير إليه بوضوح طوال أحداثه.
صباحاً، يقع “زين” في حب الفتاة الطيبة والبريئة “هند” (أسماء جلال)، التي تعتقد أن “زينهم” هو شقيق “زين” التوأم، وتنجذب للأخ المجرم مفضلة إياه على الخطيب المهذب. يتساءل آسر ياسين على لسان “زينهم” المجرم: “أنا رجل توكسيك.. لماذا تحب هي التوكسيك؟”. وتجيب “هند” في أحد المشاهد عن سبب افتتانها بالأخ المجرم، مرجعة ذلك إلى أجواء الإثارة الحسية والعقلية التي تجدها معه، وهي إجابة تستحضر أدوار شويكار في “أخطر رجل في العالم” أو شادية في “عفريت مراتي”.
وبمعزل عن الاستخدام غير الدقيق لمصطلح “توكسيك”، الذي انتشر مؤخراً بشكل واسع، سواء في سياقه الصحيح أو الخاطئ، حتى أن صناع الفيلم استخدموه في حملاتهم الدعائية على وسائل التواصل الاجتماعي، دون إدراك أن “توكسيك” لا تصف أبداً شخصية اللص أو النصاب المحترف، بل يطلق عليها مجرم أو خارج عن القانون.
ما بعد الضحك والتسلية
قد تكون كلمة “توكسيك”، رغم استخدامها غير الدقيق في الفيلم، مفتاحاً لفهم مضمونه العميق. فالفيلم يستكشف، بأسلوب درامي وكوميدي مبالغ فيه، تلك المنطقة الرمادية المعقدة في العلاقات بين الجنسين، خاصة لدى الشباب، حيث يتداخل الحب والرغبة والإثارة والهوس المادي والتركيبات النفسية المعقدة. وغالباً ما يُختزل هذا التساؤل في عبارة آسر ياسين: لماذا يحب المرء (رجلاً كان أو امرأة) شخصاً “توكسيك”؟
يتعلق الأمر أيضاً، في سياق العمل السينمائي، بإشباع الخيال، حيث يخاطب “إن غاب القط” من خلال بطليه الجذابين، مناطق التخييل العاطفي لدى الجمهور المعاصر حول العلاقة بين الرجل والمرأة.
يركز الفيلم، من تأليف أيمن وتار، المعروف باهتمامه بالعلاقات بين الجنسين من منظور ذكوري، على شخصيتي “زين” و”زينهم”. تجسد هاتان الشخصيتان نموذجين غالباً ما يجذبان النساء ويوقعنهن في حيرة الاختيار: الأول هو الخجول الحنون الشريف العاقل ومحب الحيوانات الأليفة، والثاني هو الجريء الخشن القادر على كسب المال بأي وسيلة، والذي تحركه الغريزة. وكون “زين/زينهم” شخصية واحدة، يحل هذه المعضلة للمشاهدة الأنثى، ولو في إطار الخيال الدرامي.
وفي المقابل، يقدم الفيلم، من إخراج سارة نوح، شخصية “هند” بنفس الطريقة، حيث تجمع بين صورة الفتاة العفيفة اللطيفة والبسيطة، في تباين مع شخصية “ميادة” (كارمن بصيبص) اللبنانية الجريئة والمجرمة. ورغم ذلك، لا تتردد “هند” في الرقص والشرب وارتداء الملابس المثيرة لجذب حبيبها. وهذان النموذجان، كما هو معروف، يثيران إعجاب وحيرة الرجال الذين يتطلعون لامرأة تجمع هذه التناقضات.
هذه الشخصيات المزدوجة، في تقديري، تلبي خيال المشاهدين وتسد فجوة في تصورات الهوية الذكورية والأنثوية، ولو بشكل مؤقت خلال أحداث الفيلم. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة كانت محور فيلم “السلم والثعبان 2: لعب عيال” حديثاً، حيث عانى بطله (عمرو يوسف) من رغبة في زوجة وأم طيبة صباحاً، وامرأة تشبع رغباته ليلاً، وهي الشخصية التي جسدتها أسماء جلال أيضاً.
تكمن المشكلة في أن الواقع، بعيداً عن التخييل الدرامي السينمائي، يجعل من الصعب إيجاد شخص يقبل هذه التناقضات داخله، أو يكون مستعداً للارتباط بشخصية تحملها وتقبلها.
وراء قصص اللوحات المسروقة والمطاردات العبثية بين اللصوص والشرطة، وخلف النكات الجنسية المرئية واللفظية وأجساد الرجال العارية والنساء المثيرات، يكمن قلق عميق حول الجنس الآخر. هذا القلق يدفع الشباب المضطرب للدخول في علاقات “توكسيك” مع أقرانهم المضطربين أيضاً. ولعل صناع الفيلم أدركوا، بوعي أو بدونه، أن عملهم يتمحور حول سؤال آسر ياسين الجوهري: “أنا توكسيك.. لماذا تحب هي واحداً توكسيك؟”.









